الحرب الأمريكية – الإيرانية: عنوان لا يطابق الوقائع
سلطان خليل أبو جابر
07-06-2026 02:41 PM
منذ سنوات، يجري تسويق المشهد الإقليمي والدولي تحت عنوان عريض اسمه “الحرب الأمريكية الإيرانية”. عنوانٌ جذاب إعلامياً، صاخب سياسياً، ومريح لمن يريد اختزال المشهد المعقد في مواجهة ثنائية بين خصمين يتبادلان التهديدات والتصريحات النارية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ما يجري على أرض الواقع هو فعلاً حرب أمريكية إيرانية؟ أم أننا أمام عنوانٍ مضلل يخفي وراءه أهدافاً وحسابات أكثر تعقيداً وأبعد أثراً؟
عندما ننظر إلى الوقائع بعيداً عن الضجيج الإعلامي، نجد أن المنطقة تعيش منذ سنوات في حالة “اللا حرب واللا سلم”، حيث تُرفع سقوف التهديد إلى أقصى حد، ثم تُفتح أبواب التفاوض، ثم تُغلق، ثم تُعاد إلى المنطقة الرمادية مجدداً. لا حسم عسكرياً نهائياً، ولا تسوية سياسية مكتملة، بل إدارة متعمدة للأزمة وكأن استمرارها بات هدفاً بحد ذاته.
إن التأجيل المستمر للمفاوضات، وإبقاء الملفات العالقة دون حلول نهائية، وتحويل المنطقة إلى ساحة انتظار مفتوحة، لا يبدو سلوكاً عفوياً أو نتاجاً لفشل دبلوماسي، بل أقرب إلى تكتيك استراتيجي مدروس. فالأزمات المؤجلة تمنح اللاعبين الكبار قدرة أكبر على التحكم بالأسواق، وإعادة رسم التحالفات، وإدارة موازين القوى وفقاً لمصالحهم المتغيرة.
الأكثر إثارة للتساؤل أن أي تهديد أو تعطيل جزئي لحركة الملاحة في مضيق هرمز، ذلك الشريان الذي تمر عبره نسبة تقارب 20% من تجارة الطاقة العالمية، لا ينعكس على الأسواق بنسبة تعادل حجم التأثير الفعلي، بل يتحول إلى إعصار اقتصادي يضرب العالم بأسره.
منطقياً، إذا كانت 80% من إمدادات الطاقة العالمية ما تزال خارج دائرة التعطيل المباشر، فلماذا ترتجف الأسواق وكأن العالم فقد كامل مصادره؟ ولماذا تتصرف البورصات وسلاسل التوريد وشركات التأمين والنقل وكأن الاقتصاد العالمي يقف على حافة الانهيار؟
هنا تبدأ علامات الاستفهام الكبرى.
فالأثر الاقتصادي الذي نشهده يتجاوز بكثير حجم الحدث المعلن. وكأن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بنفط أو غاز أو ممر مائي، بل بإعادة تشكيل منظومة اقتصادية كاملة عبر توظيف الخوف وعدم اليقين كأدوات ضغط عالمية.
ولعل الأخطر من ذلك أن دول الخليج العربي، التي يفترض أنها المتضرر الأول من أي تصعيد، تجد نفسها في قلب معادلة لا تملك التحكم الكامل بمساراتها. فهي تتحمل أعباء التوتر الأمني، وتدفع أثمان القلق الاستثماري، وتواجه تداعيات أي استهداف مباشر أو غير مباشر لبناها الحيوية، بينما تستمر القوى الكبرى في إدارة الأزمة من خلف الستار.
إن القراءة السطحية للأحداث تقول إن الهدف هو البرنامج النووي الإيراني، أو النفوذ الإقليمي، أو أمن الملاحة الدولية. لكن القراءة الأعمق تفرض سؤالاً مشروعاً: هل هذه هي الأهداف الحقيقية فعلاً، أم أنها مجرد عناوين تسويقية لسياسات أكبر تتعلق بإعادة هندسة الاقتصاد العالمي، وإعادة توزيع النفوذ، وفرض وقائع جديدة على خرائط الطاقة والتجارة الدولية؟
لقد أصبح من الصعب إقناع المتابع الواعي بأن كل هذا الزلزال السياسي والاقتصادي سببه ملف واحد أو خلاف واحد أو حادثة واحدة. فحجم التداعيات يفوق بكثير حجم المبررات المعلنة، واتساع دائرة المستفيدين يثير شكوكاً مشروعة حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس.
إن أخطر ما في المشهد ليس الحرب نفسها، بل الضباب الذي يلفها. فالحروب التقليدية لها أهداف معلنة ونهايات متوقعة، أما الحروب الرمادية فتكمن خطورتها في أنها تُدار بلا سقف زمني واضح، وبعناوين قد لا تمت بصلة إلى أهدافها الحقيقية.
لهذا فإن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في متابعة التصريحات العسكرية أو قراءة بيانات التهديد والوعيد، بل في محاولة فهم ما وراء العنوان. فالتاريخ يعلمنا أن أخطر الصراعات ليست تلك التي تُعلن أهدافها بصراحة، بل تلك التي تُخاض تحت عناوين براقة بينما تتحرك أهدافها الحقيقية في الظل.
وفي عالم المصالح الكبرى، كثيراً ما يكون العنوان شيئاً … والحقيقة شيئاً آخر تماماً!