الله اختاره لهذه المناصب .. فلماذا يتعب الشعب نفسه؟
سمير حمدان - بودابست
07-06-2026 04:03 PM
في السياسة توجد لحظات نادرة ينجح فيها المدافعون عن شخص ما في إضعاف حجتهم أكثر مما ينجح خصومه في مهاجمته، وربما كان تصريح محمود الهباش عن حسين الشيخ واحداً من تلك اللحظات الكاشفة، فالرجل لم يكتف بالحديث عن معرفته الشخصية به أو الإشادة بتقواه وصلاحه، بل ذهب أبعد من ذلك حين قال إن الله اختاره لهذه المناصب لما فيه من الخير والصلاح ، عبارة تبدو في ظاهرها دفاعاً عن رجل، لكنها في جوهرها تعيد طرح سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الشرعية السياسية الفلسطينية، وبالطريقة التي يجري بها إنتاج السلطة وتبريرها في مرحلة تتآكل فيها الثقة بين المجتمع ومؤسساته .
المسألة هنا لا تتعلق بحسين الشيخ كشخص، بل بالفكرة التي يكشفها هذا الخطاب، فحين يُقدَّم الصلاح الشخصي بوصفه مبرراً سياسياً، تتحول التزكية تدريجياً إلى بديل عن التفويض الشعبي، ويصبح الثناء بديلاً عن الاختيار، وتتحول السياسة من منافسة بين برامج ورؤى إلى منافسة بين شهادات الثقة والرضا، وكأن الشرعية يمكن أن تُمنح من دائرة ضيقة بدلاً من أن تُكتسب من مجتمع كامل .
لا أحد يعترض على النزاهة أو التقوى أو الأخلاق، فهذه صفات مطلوبة في أي مسؤول عام، لكنها لم تكن يوماً أساس الشرعية السياسية في أي تجربة ناجحة، فالمجتمعات لم تبنِ مؤسساتها على افتراض أن الحكام صالحون، بل على افتراض أنهم بشر يخطئون ويصيبون، ولهذا ظهرت القوانين والرقابة وتداول السلطة، لا لأن الفضيلة بلا قيمة، بل لأنها وحدها لا تكفي لحماية المجتمع من أخطاء السلطة أو إساءة استخدامها أو احتكارها .
المشكلة ليست دينية بل سياسية بامتياز، فحين تتحول الأخلاق إلى مصدر للشرعية يتراجع النقاش حول الأداء والسياسات والنتائج، وتتقدم الشخصنة على حساب المؤسسات، وعندها تصبح الأسئلة الجوهرية أقل حضوراً، من يختار القيادة، وكيف تُتخذ القرارات، ومن يراقبها، ومن يحاسبها إذا أخطأت، ومن يملك حق استبدالها إذا فشلت، وهي الأسئلة التي تحدد قوة أي نظام سياسي أو ضعفه، لا عدد الشهادات التي يحصل عليها من مؤيديه .
والأخطر أن خطاب الاختيار الإلهي يخلق مساحة يصعب الاقتراب منها بالنقد، فبدلاً من أن تبقى السلطة شأناً عاماً قابلاً للنقاش والمراجعة، تتحول تدريجياً إلى أمر يبدو وكأنه فوق النقاش، وهنا لا تتعزز الشرعية بل تضعف، لأنها تنتقل من المجال الذي يمكن للناس اختباره إلى المجال الذي يُطلب منهم التسليم به، ومن المساحة التي تسمح بالمحاسبة إلى المساحة التي تجعل الاعتراض أكثر صعوبة .
في الحالة الفلسطينية تبدو المفارقة أكثر وضوحاً، فالحركة الوطنية الحديثة نشأت أصلاً لتجاوز الولاءات الشخصية والعائلية والمناطقية، ولإعطاء الفلسطيني إطاراً وطنياً جامعاً يقوم على التمثيل السياسي والمؤسسات، لا على النفوذ الفردي أو المكانة الشخصية، وكانت إحدى أهم إنجازاتها نقل الفلسطيني من دائرة الأشخاص إلى دائرة القضية، ومن الولاء للأسماء إلى الولاء لفكرة وطنية جامعة، لكن النقاش السياسي يعود اليوم بصورة متزايدة إلى الأشخاص أكثر مما يعود إلى المؤسسات التي يفترض أن تمنحهم الشرعية .
لقد نجحت منظمة التحرير الفلسطينية في حماية الهوية الوطنية ومنع شطب القضية خلال عقود طويلة، وهذا إنجاز تاريخي لا يمكن إنكاره، لكن الشرعية التاريخية تختلف عن الشرعية السياسية، فالأولى تمنح الاحترام، أما الثانية فتحتاج إلى تجديد مستمر، وما كان كافياً في مرحلة الثورة لا يكفي بالضرورة في مرحلة إدارة مجتمع كامل يواجه تحديات متغيرة وأجيالاً جديدة وأسئلة مختلفة، فالتاريخ يمكن أن يمنح المكانة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التفويض الشعبي إلى الأبد .
ولهذا فإن الأزمة الفلسطينية الحالية ليست أزمة أسماء بقدر ما هي أزمة آليات، فالسؤال الحقيقي ليس من يشغل المنصب، بل كيف وصل إليه، وكيف يستمر فيه، ومن يملك حق محاسبته أو استبداله، فالمؤسسات القوية لا تقوم على افتراض صلاح القادة، بل على قواعد تجعل السلطة خاضعة للمساءلة مهما كانت مكانة أصحابها أو نواياهم .
والطريف أن الفلسطينيين أمضوا سنوات طويلة يطالبون بالانتخابات وتجديد المؤسسات، ثم اكتشفوا من بعض الخطابات السياسية أن هناك طريقاً أقصر بكثير، فبدلاً من سؤال الناس عمن يريدون، يجري أحياناً إخبارهم بمن ينبغي أن يريدوا، وكأن وظيفة المجتمع لم تعد الاختيار، بل المصادقة على خيارات اتُّخذت مسبقاً، وكأن المشكلة ليست في غياب صناديق الاقتراع، بل في تأخر الناس عن الاقتناع بنتائج لم يشاركوا أصلاً في صنعها .
وربما تكمن المفارقة الأكثر إثارة في أن تصريحاً قيل للدفاع عن رجل انتهى إلى إعادة طرح السؤال الذي تحاول السياسة الفلسطينية تأجيله منذ سنوات، فحين يصبح الاختيار محسوماً قبل أن يُسأل الناس، لا يعود السؤال من اختير، بل من بقي يملك حق الاختيار أصلا .