الفساد بين التطبيع وصناعة ثقافة المكافحة
أروى الظاهر
07-06-2026 04:18 PM
ليست كل المعارك ضد الفساد تُخاض في أروقة المحاكم وهيئات الرقابة، فبعضها يُحسم أولاً في وعي المجتمع. فحين يتحول الفساد إلى الخبر الأكثر تداولاً، والحديث الأكثر حضوراً، والقصة التي تتكرر يومياً على ألسنة الناس، يبرز سؤال أكثر أهمية من الفساد نفسه: هل نُعزز رفضه أم نُسهم، من حيث لا ندري، في تطبيع وجوده؟
فالفساد لا يصبح خطيراً فقط عندما ينتشر، بل عندما يفقد المجتمع حساسيته تجاهه، وعندما تتحول قصص التجاوزات والاختلاسات واستغلال النفوذ إلى جزء اعتيادي من المشهد العام، فإن الخطر لا يكمن في الجريمة ذاتها، بل في اعتيادها، عندها ينتقل الفساد من كونه استثناءً مرفوضاً إلى واقع مألوف، ومن سلوك مدان إلى حقيقة يتعايش معها الناس باعتبارها جزءاً من طبيعة الأشياء.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف معركة مكافحة الفساد؛ فالقضية ليست في كشف الملفات فقط، بل في بناء ثقافة وطنية تجعل النزاهة قيمة جمعية راسخة، وتجعل من مقاومة الفساد فعلاً يومياً يمارسه المجتمع قبل أن تفرضه القوانين، وبين خطاب قد يقود إلى التطبيع مع الفساد، وسردية وطنية تصنع ثقافة مكافحته، تتحدد ملامح الوعي الذي نريد بناءه لمستقبل الدولة والمجتمع، حين يفتح المواطن هاتفه صباحاً ليقرأ خبراً عن قضية فساد، ثم يتبعها ظهراً بخبر آخر، ثم يسمع مساءً نقاشاً حول قضية جديدة، فإن الخطر لا يكمن فقط في حجم الفساد المكتشف، بل في الأثر النفسي المتراكم لهذه الرسائل. فمع الوقت قد يتولد شعور بأن الفساد موجود في كل مكان، وأن مقاومته مستحيلة، وأن الجميع متورطون بدرجات متفاوتة، وعندما يصل المجتمع إلى هذه القناعة، يصبح الفساد مشكلة ثقافية قبل أن يكون مشكلة قانونية.
الأخطر من ذلك أن الإفراط في تسويق قضايا الفساد قد يؤدي إلى إنتاج حالة من اللامبالاة الجماعية، فالمواطن الذي يسمع يومياً عن ملفات وقضايا وتجاوزات دون أن يرى نتائج ملموسة أو استرداداً للحقوق أو محاسبة واضحة، قد يتوقف تدريجياً عن الاهتمام، ليس لأنه أصبح مؤيداً للفساد، بل لأنه فقد الثقة بجدوى مكافحته، وهنا يتحول الفساد من حالة مرفوضة إلى قدرٍ اجتماعي يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الواقع الذي لا يمكن تغييره.
لهذا السبب، فإن مكافحة الفساد لا تبدأ من نشر القضايا فقط، بل من كيفية تقديمها للرأي العام، هناك فرق كبير بين خطاب يقول: "الفساد منتشر في كل مكان"، وخطاب آخر يقول: "الدولة تمتلك القدرة على كشف الفساد ومحاسبة مرتكبيه"، الأول يزرع الإحباط، والثاني يعزز الثقة، الأول يصنع صورة دولة عاجزة، والثاني يصنع صورة مؤسسات يقظة وقادرة على حماية المال العام.
المجتمعات الناجحة في مكافحة الفساد لم تبنِ استراتيجياتها على فضح الفاسدين فقط، بل على بناء ثقافة وطنية تجعل الفساد سلوكاً منبوذاً اجتماعياً قبل أن يكون جريمة يعاقب عليها القانون، ففي كثير من الدول المتقدمة، لا يخشى الموظف العقوبة القانونية فحسب، بل يخشى أيضاً فقدان سمعته ومكانته الاجتماعية. وهذه الثقافة لم تُصنع عبر المحاكم وحدها، بل عبر التعليم والإعلام والأسرة والخطاب العام.
وفي الأردن، نحن بحاجة اليوم إلى الانتقال من مرحلة "اكتشاف الفساد" إلى مرحلة "بناء مناعة مجتمعية ضده"، فالمعركة الحقيقية ليست في كشف القضية بعد وقوعها، بل في منع نشوء البيئة التي تسمح بحدوثها أصلاً، وهذا يتطلب ترسيخ قيم النزاهة في المدارس والجامعات، وتعزيز الشفافية في المؤسسات، وتكريم النماذج الإيجابية التي ترفض الفساد وتقاومه.
كما أن الإعلام مطالب بدور أكثر توازناً، فمن حق الناس أن يعرفوا، ومن واجب الصحافة أن تكشف، لكن من الضروري أيضاً أن تُروى قصص النجاح المؤسسي، وأن تُبرز جهود الرقابة والإصلاح، وأن تُسلط الضوء على الموظفين والمسؤولين الذين يؤدون أعمالهم بأمانة وكفاءة، فالمجتمع الذي لا يرى سوى الفاسدين قد ينسى أن الأغلبية ما زالت تعمل بضمير ومسؤولية.
إن صناعة ثقافة مكافحة الفساد تعني تحويل المواطن من متفرج غاضب إلى شريك في الحماية والمساءلة، وتعني كذلك بناء قناعة وطنية بأن المال العام ليس ملكاً للحكومة أو للمؤسسات، بل ملك لكل مواطن، وعندما يشعر الناس أن حماية الموارد العامة جزء من مسؤوليتهم الوطنية، تصبح مكافحة الفساد مشروعاً مجتمعياً لا مهمة حصرية للأجهزة الرقابية.
الفساد، في جوهره، ليس مجرد اختلاس أو استغلال نفوذ أو تجاوز إداري، إنه اعتداء على الثقة العامة، وإضعاف لقدرة الدولة على التنمية، واستنزاف لفرص الأجيال القادمة، ولذلك فإن مواجهته تتطلب أكثر من قوانين وإجراءات؛ إنها تحتاج إلى سردية وطنية متماسكة تزرع لدى الناس الإيمان بأن النزاهة ممكنة، وأن المحاسبة حقيقية، وأن المستقبل لا يُبنى بالتعايش مع الفساد بل بمقاومته.
فالخطر الأكبر ليس وجود الفساد بحد ذاته، بل أن نعتاد عليه، فنحن بين خيارين بين مجتمع يطبع مع الفساد ومجتمع يصنع ثقافة مقاومته، وبذلك يتحدد شكل الدولة التي نريد، ومستقبل الثقة التي نسعى إلى بنائها.