إيران والولايات المتحدة: أزمة لا تبحث عن اتفاق فقط، بل عن مخرج من حافة الحرب
كابتن أسامة شقمان
07-06-2026 07:59 PM
تدخل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة شديدة الحساسية، لم تعد فيها الأزمة محصورة في السؤال القديم حول البرنامج النووي الإيراني، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أوسع: كيف يمكن منع مواجهة مفتوحة في الخليج والشرق الأوسط، مع الحفاظ على ماء الوجه السياسي لكل طرف؟
آخر الأخبار المتداولة في الصحف ووكالات الأنباء الأميركية والدولية تشير إلى أن واشنطن تتحرك على أكثر من جبهة. فمن جهة، تدفع الولايات المتحدة داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية باتجاه قرار يطالب إيران بالكشف عن مصير مواقعها النووية وكمية اليورانيوم المخصب لديها. ومن جهة أخرى، تستمر الاتصالات السياسية بحثاً عن صيغة تهدئة أو اتفاق مؤقت يوقف الانزلاق نحو حرب أوسع.
هذا الجمع بين الضغط الدبلوماسي والتفاوض ليس جديداً في السياسة الأميركية تجاه إيران، لكنه اليوم يأتي في ظرف أكثر خطورة. فإيران لم تعد تتعامل مع الملف بوصفه ملفاً فنياً يخص أجهزة الطرد المركزي فقط، بل بوصفه ورقة بقاء ونفوذ. أما الولايات المتحدة فتتعامل مع البرنامج النووي الإيراني بوصفه خطراً مباشراً على أمن حلفائها وعلى توازن القوة في الشرق الأوسط.
في قلب الأزمة يقف ملف اليورانيوم عالي التخصيب. واشنطن تريد معرفة دقيقة بمكانه وكميته ومصيره، وتخشى أن يؤدي غياب الرقابة الدولية إلى خلق مساحة غامضة تستطيع إيران استخدامها في التفاوض أو التصعيد. أما طهران فترى أن الضغط الأميركي، خصوصاً عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، محاولة لانتزاع تنازلات تحت التهديد، وليس مساراً متوازناً للتسوية.
لكن الأزمة لا تقف عند حدود المختبرات النووية. مضيق هرمز تحوّل إلى عنوان اقتصادي وسياسي بالغ الخطورة. أي اضطراب في هذا الممر البحري لا يهدد إيران أو الولايات المتحدة وحدهما، بل يهدد أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية. لذلك يبدو أن أي اتفاق مؤقت بين واشنطن وطهران سيبدأ غالباً من نقطة عملية: تثبيت التهدئة، ضمان الملاحة، ثم تأجيل الملفات الكبرى إلى جولات لاحقة.
المفارقة أن الطرفين يبدوان بحاجة إلى الاتفاق، لكنهما يخافان منه. إيران تحتاج إلى تخفيف الضغط الاقتصادي وإظهار قدرتها على الصمود من دون الانكسار. والولايات المتحدة تريد وقف التصعيد من دون أن تظهر وكأنها كافأت طهران قبل الحصول على ضمانات نووية وأمنية واضحة. لهذا تبدو المفاوضات كمن يسير فوق جسر ضيق: خطوة واحدة خاطئة قد تسقط الجميع في مواجهة جديدة.
الصحافة الأميركية تنظر إلى موقف واشنطن من زاوية مزدوجة. فهناك من يرى أن الضغط القوي هو الطريق الوحيد لإجبار إيران على التراجع، وهناك من يحذر من أن الضغط المفرط قد يدفع طهران إلى مزيد من التشدد، أو إلى تقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو إلى استخدام أوراقها الإقليمية في الخليج ولبنان والعراق واليمن.
أما إيران، فتبدو وكأنها تراهن على الوقت. فهي لا تريد تقديم تنازلات كبرى دفعة واحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد مواجهة شاملة قد تستنزفها اقتصادياً وعسكرياً. لذلك قد تقبل باتفاق محدود يمنحها بعض الانفراج، من دون أن تتخلى عن أوراقها الأساسية. هذه هي المعادلة التي تجعل الأزمة طويلة ومعقدة: كل طرف يريد تهدئة، لكنه يريدها بشروطه هو.
في الخلفية، تبقى إسرائيل حاضرة بقوة في الحسابات الأميركية والإيرانية. فواشنطن لا تستطيع فصل أي اتفاق مع طهران عن أمن إسرائيل، وطهران لا تستطيع تجاهل أن أي تصعيد إسرائيلي قد ينسف مسار التفاوض. لذلك فإن مصير المحادثات لا تحدده واشنطن وطهران وحدهما، بل تحدده أيضاً ساحات أخرى مشتعلة أو قابلة للاشتعال في المنطقة.
ما يجري اليوم ليس نهاية الأزمة، بل محاولة لتجميدها. الاتفاق المؤقت، إن وُلد، قد يمنع الحرب لكنه لن ينهي الصراع. سيبقى الخلاف حول التخصيب، والعقوبات، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، وأمن الخليج. وستبقى الثقة شبه معدومة بين الطرفين.
لذلك يمكن القول إن الأزمة الأميركية ـ الإيرانية وصلت إلى لحظة سياسية دقيقة: لا واشنطن قادرة بسهولة على فرض استسلام إيراني كامل، ولا طهران قادرة على تجاهل كلفة المواجهة المفتوحة. وبين هذين الحدين، تبحث الدبلوماسية عن مساحة صغيرة للتنفس.
إنها ليست أزمة اتفاق نووي فقط، بل أزمة نظام إقليمي كامل. وما لم يتم التعامل معها بهذا العمق، فإن أي تهدئة ستكون مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من التوتر.