زواج المسيار .. بين سحر التسمية ومخاطر غياب التوثيق
أمل محي الدين الكردي
08-06-2026 01:27 AM
تُطرح بين الحين والآخر تساؤلات مجتمعية وقانونية حول أنماط من العلاقات التي تتخذ من مسميات دينية أو اجتماعية غطاءً لها، ولعل قضية "زواج المسيار" وما يحيط بها من جدل، والتي كانت محوراً لحلقة في أحد البرامج التلفزيونية التي برزت كواحدة من أكثر المواضيع حساسية، لما تثيره من تداخل بين الفهم الشرعي، والواقع القانوني، والضوابط العرفية التي تحكم المجتمع. إن جوهر الإشكالية في هذه العلاقات لا يكمن في المسمى بحد ذاته، بل في التكييف القانوني والشرعي الذي يحيط بها. ففي ظل غياب التوثيق الرسمي لدى الجهات المختصة، تتحول هذه العلاقة من ميثاق غليظ – كما وصفته الشريعة – إلى مساحات رمادية تفتقر للأمان الاجتماعي والضمانات القانونية. وما تم استعراضه في الحلقة يشير إلى أن هذه الممارسات، حين تفتقر إلى أركان الزواج الصحيح كالإيجاب والقبول والشهود والتوثيق، تبتعد عن مقاصد الأسرة السامية لتصبح أقرب إلى صفقات مؤقتة تخضع لمنطق العرض والطلب، وهو ما يفتح الباب أمام مخاطر جمة، أبرزها تعرض الطرفين – ولا سيما النساء – لصور من الابتزاز أو ضياع الحقوق الأساسية كالسكن والنفقة وحق النسب.
وعند النظر إلى الواقع القانوني، نجد أن التشريعات واضحة في حصر إثبات الزواج ضمن القنوات الرسمية، حيث يظل العقد الموثق هو الدرع الوحيد الذي يحمي الأطراف ويحفظ حقوق الأجيال. إن لجوء البعض إلى عقود شفهية أو عرفية خارج إطار المحاكم لا يعرضهم فقط للمساءلة القانونية والعقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات، بل يضعهم أمام تحديات نفسية واجتماعية لا يمكن التنبؤ بتبعاتها. فالمشرع الأردني، من خلال استمداده للنصوص من الشريعة الإسلامية، سعى دائماً لضبط هذا العقد وضمان صيانته، ليكون زواجاً مبنياً على العلانية والوضوح والمسؤولية المتبادلة. إن استمرار هذه الظواهر يضعنا أمام ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي، ليس فقط من الناحية القانونية، بل من خلال العودة إلى قيم التكافل العائلي والتقاليد التي تحفظ كرامة الفرد والمجتمع. إن الحل يكمن في سيادة القانون الذي يحمي الضعيف، وفي الالتزام بالضوابط الشرعية التي تحفظ للمرأة حقوقها وللأسرة كيانها، بعيداً عن أشباه العقود التي لا تورث إلا الندم والنزاعات. إن مجتمعنا، بتاريخه وأعرافه، يظل الحصن الأول أمام مثل هذه الممارسات، شريطة أن يبقى القانون هو الحكم الذي ينظم شؤون الناس بعيداً عن الاجتهادات الشخصية التي قد تقود إلى نتائج غير محمودة العواقب.
وعلى الصعيد العربي، لا يزال زواج المسيار يمثل ظاهرة جدلية تتباين حولها الرؤى والتشريعات بين دولة وأخرى؛ ففي حين حاولت بعض الدول العربية تنظيم هذا النوع من العقود بضوابط إجرائية خاصة، تظل المجتمعات العربية بمعظمها تنظر إليه بريبة، كونه يتناقض في جوهره مع مقاصد الزواج التقليدي المبني على الاستقرار والعلانية. إن هذا التباين العالمي والعربي يفرض علينا ضرورة التحرك نحو رؤية قانونية أكثر حداثة ووضوحاً؛ إذ لا يكفي الردع بالعقوبات، بل نحتاج إلى توصيات تشريعية تعزز من حماية المجتمع، تبدأ من تكثيف الحملات التوعوية حول مخاطر الزواج خارج الأطر الرسمية، وتطوير آليات التوثيق الرقمي التي تسهل على المواطنين إتمام عقودهم في المحاكم الشرعية. كما نوصي بضرورة تفعيل دور الجهات الرقابية لملاحقة الوسطاء والمنصات الإلكترونية التي تروج لمثل هذه العلاقات المشبوهة، مع ضرورة أن تتضمن القوانين نصوصاً أكثر صرامة تحمي الأطراف الأضعف في هذه العقود من الابتزاز أو الضياع، مع الحفاظ على التوازن بين الأعراف المجتمعية الراسخة وبين نصوص القانون التي تضمن كرامة الإنسان وتصون النسيج الوطني من التفكك، ليبقى الزواج دوماً ميثاقاً للسكينة لا وسيلة للتحايل.
وفي ختام هذا الطرح، لا بد من الإشارة إلى أن وجهات النظر القانونية التي تخللت النقاش، لا سيما ما أثارته الأستاذة المحامية خلال الحلقة، تعكس قلقاً عميقاً نابعاً من مشاهدة يومية لآثار هذه العلاقات على الأفراد. إذ إن حدة الطرح، وإن بدت انفعالية في سياق التحذير، تترجم في جوهرها رفضاً قاطعاً لتجاوز القانون، ومحاولة لتنبيه المجتمع إلى أن التهاون في الضوابط الشرعية والقانونية لا يورث إلا فوضى اجتماعية قد تخرج عن السيطرة. ومع ذلك، فإننا نؤمن بأن الشخصيات التي تتصدى للمشهد الإعلامي، سواء كانوا قانونيين أو باحثين، يقع على عاتقهم مسؤولية إضافية؛ فالمواجهة مع قضايا المجتمع الحساسة تتطلب وعياً تاماً ودبلوماسية في الطرح تتجاوز الانفعال اللحظي، لتصل إلى المتلقي برسائل واضحة ومسؤولة، تبتعد عن أي تأويل قد يُفهم منه التحريض أو التبرير. إن الخطاب الإعلامي المسؤول هو الذي يضع سيادة القانون في المقام الأول، مع الحفاظ على أدوات الحوار الهادئ الذي ينمي الوعي المجتمعي ويصون كرامة الفرد، بدلاً من إثارة المزيد من الجدل أو التوتر. إننا نتطلع دائماً إلى حوارات تلفزيونية تكون نموذجاً في الرصانة، تُقدّر فيها حساسية المواضيع، وتُطرح فيها الحلول بوعي كامل يراعي نسيجنا الوطني وقيمنا الأخلاقية.