من نيويورك إلى عمّان بحثاً عن المعرفة .. ومن عمّان إلى الاقصاء و التهميش!
د. محمد بني سلامة
08-06-2026 01:28 AM
اليوم ، تلقيت رسالة من طالبة ماجستير في الصحافة ودراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك. لم تكن الرسالة طلباً لمجاملة أو تزكية أو وساطة، بل طلباً لإجراء مقابلة علمية ضمن مشروع بحثي ورسالة أكاديمية تتناول مسار التحديث السياسي في الأردن وتطوراته وتحدياته.
شدّني في الرسالة أمران؛ الأول أن هذه الطالبة قطعت آلاف الكيلومترات، وجاءت من نيويورك إلى عمّان، تبحث بين الباحثين والأكاديميين عن المعرفة والتحليل والرأي العلمي. والثاني أنها وجدت في إحدى دراساتي المنشورة حول الإصلاح السياسي الأردني مادة تستحق القراءة والنقاش والاستفادة منها في بناء أطروحتها العلمية.
توقفت طويلاً أمام هذه المفارقة.
ففي الوقت الذي يأتي فيه طلبة الدراسات العليا والباحثون الأجانب إلى الأردن بحثاً عن المعرفة، ويستشهد أساتذة وباحثون في جامعات ومراكز أبحاث دولية بدراسات وأبحاث أردنية، وتجري وكالات أنباء ومؤسسات إعلامية دولية مقابلات مع أكاديميين أردنيين لفهم واقع البلاد وتحولاتها السياسية والاجتماعية، ما يزال كثير من هؤلاء الأكاديميين والباحثين يعيشون في الداخل حالة من التهميش والإقصاء وعدم الاكتراث.
ليس الحديث هنا عن شخص أو حالة فردية، بل عن ظاهرة مؤلمة تتكرر يومياً. فكم من أستاذ جامعي وباحث جاد أمضى سنوات عمره في البحث والنشر والإنتاج العلمي، ثم وجد نفسه خارج دوائر التأثير والحوار وصناعة القرار؟ وكم من رسالة ماجستير أو دكتوراه كُتبت في جامعاتنا ثم انتهى بها المطاف إلى رفوف المكتبات وقواعد البيانات دون أن يقرأها مسؤول أو يستفيد منها صانع قرار؟
لقد أصبح البحث العلمي في كثير من الأحيان نشاطاً شكلياً يُطلب لأغراض الترقية الأكاديمية أكثر مما يُطلب لصناعة السياسات العامة. وأصبحت الرسائل الجامعية تُنتج بالآلاف، بينما تتسع الفجوة يوماً بعد يوم بين الجامعة والدولة، وبين المعرفة والقرار.
المفارقة الأكثر إيلاماً أن المجتمع الذي يفترض أن يمنح العلماء والباحثين مكانتهم الطبيعية، أصبح في كثير من الأحيان يقدّم عليهم أصحاب الضجيج والشعارات والظهور الإعلامي السريع. فبينما يقضي الباحث سنوات في جمع البيانات وتحليلها وكتابة الدراسات المحكمة، نجد أن المشهد العام يمتلئ بأشخاص يقدمون أنفسهم خبراء في السياسة والاقتصاد والتعليم والزراعة والاجتماع والهوية الوطنية في الوقت نفسه، دون إنتاج علمي حقيقي أو خبرة موثقة.
إن أزمة الأردن ليست في نقص الكفاءات أو العقول أو الخبرات. فجامعاتنا مليئة بالأكاديميين المتميزين، وباحثونا يحضرون في المؤتمرات الدولية، وتنشر أعمالهم في المجلات العلمية العالمية، ويستشهد بها باحثون من مختلف أنحاء العالم. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف ثقافة الاستفادة من المعرفة، وفي استمرار الفجوة بين من ينتجون الأفكار ومن يمتلكون أدوات القرار.
ولعل أكثر ما يدعو للأسى أن كثيراً من الباحثين الأردنيين يشعرون اليوم بأن تقديرهم يأتي من الخارج أكثر مما يأتي من الداخل. فهناك من يقرأ أعمالهم في جامعات العالم، بينما لا يجدون من يقرأها في مؤسساتهم الوطنية. وهناك من يطلب الاستماع إليهم في الخارج، بينما لا يجدون فرصة مماثلة في وطنهم.
حين تأتي طالبة من نيويورك إلى الأردن بحثاً عن المعرفة العلمية، فإن ذلك يجب أن يدفعنا إلى طرح سؤال كبير على أنفسنا: إذا كان الآخرون يدركون قيمة المعرفة الأردنية ويبحثون عنها، فلماذا لا نفعل نحن؟
إن الدول لا تنهض بالشعارات، ولا تتقدم بالضجيج، ولا تبني مستقبلها عبر تدوير الوجوه ذاتها والخطابات ذاتها. الدول تتقدم عندما يصبح العلم مرجعاً، والبحث العلمي أداة لصناعة القرار، والجامعة شريكاً في رسم السياسات، والباحث قيمة وطنية لا صوتاً مهمشاً على هامش المشهد.
وحين يحدث ذلك فقط، لن نضطر إلى انتظار باحث يأتي من أقصى العالم ليذكرنا بقيمة ما نملك.