المنطقة الرمادية: الشرق الأوسط بين "اللاحرب واللاسلم"
فيصل تايه
08-06-2026 09:58 AM
بعد متابعتي لتطورات الساعات الأخيرة، بما في ذلك قيام إيران بإطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل وما رافق ذلك من ردود فعل إقليمية ودولية وتصعيد في الخطاب داخل أوساط اليمين الإسرائيلي وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أقدّم هذه القراءة بوصفها تحليلاً شخصياً يعكس وجهة نظري، في محاولة لفهم مسار الأحداث الجارية في ضوء معطياتها المتسارعة وغير المكتملة حتى الآن، وفي إطار محاولة قراءة أوسع لنمط يتشكل تدريجياً أكثر مما هو مجرد سلسلة أحداث منفصلة، بما يفرض إعادة طرح السؤال الأساسي حول طبيعة الصراع نفسه.
وتكمن أهمية هذا السؤال في أنه يكشف حدود المقاربة التقليدية التي اعتادت تفسير المنطقة عبر ثنائية الحرب والسلام. فليس السؤال اليوم في الشرق الأوسط ما إذا كانت المنطقة تقترب من حرب كبرى أو تبتعد عنها، لأن هذا السؤال يفترض أن الحرب والسلام ما زالا في خانتين منفصلتين كما اعتدنا في قراءات القرن الماضي.
ما يحدث على الأرض وفي السياسة وفي الاقتصاد يوحي بشيء مختلف تماماً: تشكّل نمط جديد من إدارة الصراع، حيث تصبح الحرب المحدودة جزءاً من الاستقرار، ويصبح الاستقرار نفسه مشروطاً بإبقاء مستوى معين من التوتر. وفي هذا السياق تتراجع فكرة “الحرب أو السلام” لصالح منطق أكثر تعقيداً يمكن تسميته بمنطق “اللاحرب واللاسلم”، أو بالأحرى إدارة دائمة للتصعيد تحت سقف يمنع الانفجار الكامل ويمنع أيضاً التسوية النهائية، في مفارقة باتت أقرب إلى كونها بنية مستقرة للصراع لا مرحلة انتقالية عابرة، بل ملامح نظام إقليمي آخذ في التشكل.
في هذا الإطار يمكن فهم عودة التصعيد بين إسرائيل ومحور المواجهة الإقليمي ليس بوصفه انزلاقاً خارج السيطرة، بل بوصفه جزءاً من توازنات دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية الداخلية، فلم يعد هذا النمط محصوراً في حدود حرب الوكالة التقليدية، بل باتت الضربات المباشرة والمتبادلة تُقرأ كرسائل ردع منتقاة بدقة تحت سقف منضبط، وليست إعلاناً عن حرب شاملة مفتوحة.
وفي هذا السياق تصبح المواجهة جزءاً من معركة أعمق على تعريف قواعد الاستقرار نفسها في الإقليم، وليس مجرد صراع على موازين القوة. فالمشهد الإسرائيلي لا ينفصل عن دينامياته الانتخابية وإعادة تشكيل الرأي العام الداخلي حول مفهوم الأمن والردع، حيث تتحول المواجهة من مجرد استجابة لتهديد خارجي إلى عنصر داخل معادلة سياسية داخلية تُستخدم فيها صورة القوة كأداة لإعادة تثبيت الشرعية وإدارة الاستحقاقات السياسية.
لكن هذا البعد لا يمكن فصله عن البنية الأوسع للصراع. فإيران من جهتها لا تتحرك فقط ضمن حسابات المواجهة المباشرة، بل ضمن استراتيجية طويلة النفس تأخذ في الاعتبار الضغوط الاقتصادية والعقوبات وتآكل البيئة الداخلية، وفي الوقت نفسه تعمل على إنتاج قدرة مستمرة على التكيف وإعادة ترتيب أدواتها ونخبها وآليات اتخاذ القرار، بما يعكس استعداداً عالياً لإدارة المخاطر دون استنزاف كامل للأوراق. فالاختناق الاقتصادي هنا لا يُقرأ كعامل ضعف مباشر، بل كعنصر يعيد تشكيل السلوك الاستراتيجي للدولة، بحيث تصبح إدارة الضغط جزءاً من تعريف القوة وليس نقيضاً لها.
ومع انتقال مركز الثقل إلى ساحات متعددة، يبرز اليمن كبعد مختلف في المعادلة، ليس بوصفه ساحة هامشية، بل بوصفه نقطة تقاطع بين الصراع الإقليمي والاقتصاد العالمي. فإمكانية تهديد الممرات البحرية، خصوصاً باب المندب، تعني أن الصراع لم يعد محصوراً في الجغرافيا السياسية التقليدية، بل امتد إلى شرايين التجارة الدولية. وهنا تتغير قواعد اللعبة جذرياً، لأن القوى الكبرى قد تتحمل صراعاً سياسياً ممتداً، لكنها تتحسس سريعاً من أي اضطراب يهدد تدفق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يجعل البحر الأحمر نقطة اختناق استراتيجية في النظام التجاري العالمي، لا مجرد ساحة مواجهة إقليمية.
وفي الخلفية، لا يمكن تجاهل التحولات في الموقف الأمريكي، حيث تتقاطع الحسابات الاستراتيجية مع الاعتبارات السياسية الداخلية، ويتجلى ذلك في تذبذب واضح بين الضغط لمنع توسع المواجهة الإقليمية، وبين استمرار الالتزام بتوفير الغطاء للحلفاء. غير أن الأهم أن واشنطن لم تعد تتحرك في بيئة تفرض فيها قواعد الردع التقليدية بوضوحها السابق، بل في فضاء دولي تتآكل فيه قابلية التحكم الكامل بمسار الأزمات. ومن هنا يصبح القرار الأمريكي محكوماً بمعادلة دقيقة: احتواء التصعيد دون خسارة النفوذ، ومنع الحرب دون فقدان الهيبة، في لحظة باتت فيها هذه المعادلة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
أما على مستوى الإقليم العربي، فإن المشهد أكثر تركيباً من أن يُختزل في ثنائيات جاهزة مثل “إيران جار وإسرائيل عدو”. فالدول العربية اليوم تتحرك ضمن فضاء استراتيجي متعدد الاتجاهات، تحاول فيه الموازنة بين اعتبارات الأمن القومي والعلاقات الدولية والاستقرار الداخلي، مع تجنب الانخراط في استقطاب حاد يعيد إنتاج اصطفافات لا تخدم بالضرورة أولوياتها طويلة المدى. وهذه المقاربة لا تعكس غياب موقف، بل تعكس إدراكاً متزايداً لتعقيد البيئة الإقليمية وصعوبة اختزالها في محاور صلبة.
وفي هذا السياق تصبح الانتخابات، سواء في إسرائيل أو الولايات المتحدة، جزءاً من بنية الصراع وليس مجرد خلفية له. فالدورات الانتخابية لا تنتج السياسات فحسب، بل تعيد تشكيل إيقاعها، وتدفع أحياناً نحو تصعيد محسوب أو تهدئة مؤقتة وفقاً لحاجات الفاعلين السياسيين في تقديم صورة القوة أو الاستقرار. وهكذا يصبح الصراع الإقليمي متأثراً بإيقاع داخلي لدول كبرى لا تعيش خارج تأثيرات المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا تتحكم بها بشكل مطلق.
لبنان في هذا المشهد يمثل حالة خاصة، لأنه يجمع بين هشاشة الداخل وكثافة الخارج، وهو اليوم يشكل “مختبراً عملياً” لفحص مدى صمود فرضية اللاحرب واللاسلم. فهو ليس مجرد ساحة مواجهة، بل مرآة حساسة تعكس توازنات الردع والتصعيد في المنطقة. فأي اهتزاز فيه لا يبقى محلياً، وأي خرق لقواعد التهدئة يتحول سريعاً إلى رسالة متعددة الاتجاهات تكشف حدود المخاطرة لدى مختلف الأطراف، دون إعلان رسمي عن انهيار التفاهمات القائمة. ولذلك يبقى لبنان أحد أدق المؤشرات على اتجاهات المرحلة، ليس لأنه يصنع القرار، بل لأنه يكشف سقوفه.
عند جمع هذه العناصر معاً، من غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى البحر الأحمر، ومن إيران إلى واشنطن، يتضح أن ما يجري ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل نظام تفاعلي واحد يُعاد تشكيله باستمرار. هذا النظام لا يتحرك بخط مستقيم نحو الحرب أو السلام، بل يدور داخل مساحة رمادية تتغير فيها قواعد الاشتباك تدريجياً دون إعلان رسمي عن قواعد جديدة، بل عبر إعادة تعريف بطيئة لمفاهيم القوة وحدود استخدامها ووظيفة الاستقرار نفسه.
وهنا تحديداً تكمن دلالة المرحلة: فالمسألة لم تعد انتقالاً بين نظامين، بل تبدو أقرب إلى تثبيت نمط جديد من إدارة الصراع، يصبح فيه “عدم الاستقرار المضبوط” هو الشكل العملي للاستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق لا يعود السؤال المركزي من ينتصر في مواجهة بعينها، بل كيف يُدار إقليم كامل داخل حالة صراع طويلة الأمد لا تنتج حسمًا، لكنها لا تنزلق أيضاً إلى انهيار شامل.
ربما يكون أخطر ما في هذه المرحلة ليس احتمال الانفجار، بلف قدرة هذا النمط على التحول إلى وضع دائم، يصبح فيه التوتر منخفض الحدة جزءاً من البنية الطبيعية للنظام الإقليمي، وتصبح الأزمات أداة إدارة لا مقدمة للحل. وفي هذا التناقض تحديداً تتشكل ملامح الشرق الأوسط القادم.