الأردن والتحولات الدولية: أين تكمن الفرصة؟
د. محمد حيدر محيلان
08-06-2026 12:33 PM
في أوقات التحولات الكبرى تنشغل الدول عادة بمخاطر التغيير أكثر من انشغالها بالفرص التي يخلقها. غير أن التاريخ يبين أن الأزمات لا تعيد توزيع المخاطر فقط، بل تعيد توزيع الفرص أيضاً، وتمنح الدول القادرة على قراءة المشهد والاستعداد له فرصة للتقدم وتحسين موقعها الاقتصادي والسياسي.
العالم اليوم يعيش واحدة من هذه اللحظات المفصلية. فخلال سنوات قليلة شهد العالم جائحة عالمية عطلت الاقتصاد الدولي، وحرباً روسية أوكرانية هزّت أسواق الغذاء والطاقة، واضطرابات في البحر الأحمر أثرت على حركة التجارة العالمية، وحرباً إسرائيلية على غزة، ثم مواجهة مباشرة وغير مباشرة بين إيران وإسرائيل بمشاركة أمريكية. وقد دفعت هذه التطورات الحكومات والشركات الكبرى إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت الاقتصاد العالمي لعقود طويلة.
فبعد أن كان التركيز منصباً على خفض التكاليف وتعظيم الكفاءة، أصبح الاهتمام يتجه نحو المرونة، وتنويع الشركاء، وتعدد مسارات النقل، وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للغذاء أو الطاقة أو سلاسل الإمداد. وهنا يبرز السؤال الذي يهم الأردن بصورة مباشرة: أين تكمن الفرصة وسط هذه التحولات؟
الأردن لا يملك الموارد الطبيعية الضخمة التي تمتلكها بعض الدول، لكنه يمتلك عناصر قوة أصبحت أكثر أهمية في عالم اليوم؛ فهو يتمتع باستقرار سياسي ومؤسسي، وموقع جغرافي يربط المشرق العربي بشبه الجزيرة العربية، إضافة إلى خبرة طويلة في إدارة الأزمات والتعامل مع المتغيرات الإقليمية. وقد أثبتت السنوات الماضية أن الاستقرار بحد ذاته أصبح مورداً اقتصادياً مهماً، إذ تبحث الشركات العالمية والمستثمرون عن البيئات القادرة على العمل بكفاءة واستمرارية حتى في أوقات الاضطراب.
وفي الوقت الذي تعيد فيه الدول والشركات تقييم مسارات التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، تبرز فرصة حقيقية أمام الأردن لتعزيز دوره كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية والتخزين وإدارة المخاطر والتدريب المتخصص. فالموقع الجغرافي لا يحقق قيمة اقتصادية بذاته، وإنما بما يُبنى حوله من خدمات ومشاريع واستثمارات.
وتكتسب العقبة أهمية خاصة في هذا السياق. فالميناء الأردني الوحيد لا يمثل منفذاً بحرياً فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى محور اقتصادي ولوجستي يخدم المنطقة بأكملها إذا جرى تطوير منظومة متكاملة تربط النقل والتخزين والخدمات اللوجستية والتقنيات الحديثة. فالمنافسة المستقبلية لن تكون بين الموانئ فقط، بل بين المنظومات القادرة على تقديم خدمات ذات قيمة مضافة للتجارة والاستثمار.
كما أن الفرص لا تقتصر على قطاع النقل والخدمات اللوجستية. فالاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والتعليم التقني، والخدمات المهنية المتخصصة، تمثل مجالات واعدة يمكن للأردن أن يعزز حضوره فيها مستفيداً من رأس المال البشري المؤهل والبيئة المستقرة نسبياً مقارنة بمحيطه الإقليمي.
غير أن الفرص لا تتحول تلقائياً إلى مكاسب. فنجاح الأردن في الاستفادة من التحولات الجارية يتطلب استمرار تطوير البيئة الاستثمارية، وتحديث البنية التحتية، وربط التعليم والتدريب باحتياجات الاقتصاد الجديد، إضافة إلى تعزيز التكامل الاقتصادي العربي في مجالات النقل والطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد.
إن التحولات الدولية الجارية ستؤثر في الأردن بلا شك، لكن السؤال الأهم ليس حجم هذا التأثير، بل كيفية توظيفه لصالح الاقتصاد الوطني. فالعالم يعيد رسم خرائط التجارة والطاقة والنفوذ، ان الدول التي تدرك لحظة التحول وتتحرك في الوقت المناسب، تستطيع تحويل التحديات إلى فرص وتعزيز مكانتها الإقليمية ودورها الاقتصادي. وفي هذا تحديداً تكمن الفرصة الأردنية.