facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مرة أخرى مع شؤون الأوقاف .. بين الأمانة والاستدامة


عبدالنبي الشعلة
08-06-2026 12:34 PM

مصادفة تزامن نشر مقالي يوم الأحد الماضي تحت عنوان «شؤون الأوقاف.. مجلس واحد.. وطن واحد» مع الإعلان عن قضية أثارت اهتمام الرأي العام، بعدما كشفت النيابة العامة عن إحالة أحد الموظفين العاملين في إدارة الأوقاف الجعفرية إلى المحاكم الجنائية بتهم تتعلق باختلاس المال العام والتزوير وغسل الأموال، في قضية تشير التحقيقات إلى أن الأموال محل الاتهام بلغت نحو نصف مليون دينار بحريني، تعود في الأصل إلى مخصصات ومساعدات خيرية موجهة إلى المحتاجين.

وبطبيعة الحال، فإن هذه القضية لا تزال في عهدة القضاء الذي نثق بنزاهته وعدالته، ولا يجوز استباق أحكامه أو الخوض في تفاصيله. إلا أن حجم التفاعل الكبير الذي تلقيته عقب نشر المقال السابق كشف عن اهتمام واسع بقضية أكبر من الواقعة ذاتها، وهي قضية إدارة الأوقاف ومستقبلها وآليات الرقابة عليها وضمان حسن استثمار مواردها.

لقد لفت عدد من المهتمين بالشأن الوقفي انتباهي إلى أن النقاش حول توحيد إدارة الأوقاف لا ينبغي أن يقتصر على البعد الوطني المهم الذي تناولته في المقال السابق، بل يجب أن يمتد إلى الجوانب الإدارية والمالية والرقابية التي تمثل أساس نجاح أي مؤسسة وقفية في أداء رسالتها الدينية والاجتماعية والإنسانية.

فالأوقاف ليست مجرد عقارات أو أصول مالية، وإنما أمانات أودعها الواقفون في ذمة المجتمع والدولة لخدمة أغراض الخير والعبادة والتعليم والتكافل الاجتماعي. ومن هنا فإن أي خلل في إدارتها، مهما كان حجمه، لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل يمس الثقة العامة في واحدة من أعرق المؤسسات التي عرفتها الحضارة الإسلامية عبر تاريخها الطويل.

ومن خلال ما استمعت إليه من آراء وملاحظات، بدا واضحًا أن التحدي الذي تواجهه المؤسسة الوقفية اليوم لا يقتصر على حماية الموارد من أي تجاوزات محتملة، بل يمتد أيضًا إلى كيفية تحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات في ظل تزايد الأعباء التشغيلية ومتطلبات الصيانة والإدارة.

فإدارة المساجد والمرافق الدينية والخدمية التابعة للأوقاف تتطلب إنفاقًا مستمرًا ومتزايدًا يشمل الصيانة الدورية، والخدمات الأساسية، والتجهيزات الفنية، والكوادر البشرية، وغيرها من المتطلبات التي تزداد تكلفتها عامًا بعد عام. كما أن المرافق الدينية والاجتماعية المختلفة، سواء كانت مساجد أو حسينيات أو قاعات ومراكز خدمية، تحتاج إلى موارد مستدامة تضمن استمرار رسالتها وأداء دورها دون تعثر.

وفي المقابل، يعتقد كثيرون أن الأوقاف تمتلك أصولًا وإمكانات كبيرة قادرة على تغطية هذه الالتزامات وأكثر، لكن ذلك يبقى مرهونًا بمدى كفاءة الإدارة، وحسن استثمار الأصول، ووجود نظم حديثة للرقابة والتدقيق والمتابعة والتقييم.

ومن هنا تبرز أهمية المرحلة الجديدة التي تبدأ مع إنشاء المجلس الموحد لشؤون الأوقاف الإسلامية. فهذه الخطوة لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل باعتبارها فرصة تاريخية لتطوير منظومة الحوكمة الوقفية بأكملها، عبر تعزيز الشفافية، وتشديد الرقابة، وتوحيد معايير التدقيق، وإخضاع مختلف العمليات المالية والاستثمارية لأفضل الممارسات المهنية المعمول بها عالميًا.

كما أن المرحلة الجديدة تفتح الباب أمام مراجعة شاملة للسياسات الاستثمارية الوقفية، بما يضمن تعظيم العائد على الأصول الموقوفة وتنويع مصادر الدخل واستثمار الإمكانات المتاحة بصورة أكثر فاعلية، بما يخدم أهداف الواقفين ويحقق المصلحة العامة.

غير أن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية عن كل ما سبق، يتعلق بثقافة الوقف ذاتها وآليات إنشائه.

فكثير من أهل الخير، جزاهم الله خير الجزاء، يبادرون إلى بناء مساجد أو حسينيات أو مرافق دينية واجتماعية تتميز بسعة مساحاتها وروعة تصميمها وفخامتها المعمارية، ثم تُسلَّم إلى إدارة الأوقاف لتتولى إدارتها وصيانتها. وهذه مبادرات مباركة تعكس روح العطاء والإحسان المتجذرة في مجتمعنا.

إلا أن التجربة العملية أثبتت أن تكلفة التشغيل والصيانة والإدارة على مدى العقود اللاحقة قد تتجاوز في بعض الأحيان تكلفة البناء الأصلية نفسها. ولذلك فإن من الحكمة أن تقترن مثل هذه المشروعات الوقفية منذ البداية بموارد مالية مستدامة تكفل استمرارها وتخفف العبء عن المؤسسة الوقفية في المستقبل.

ومن هنا تبدو الحاجة قائمة إلى دراسة وضع أطر تنظيمية تشجع ـ أو تشترط حيثما أمكن ـ أن يكون إنشاء المرافق الوقفية الكبرى مصحوبًا بأصول أو استثمارات وقفية مدرة للدخل، بحيث تغطي احتياجات التشغيل والصيانة المستقبلية، وتحافظ على استدامة المشروع وتحميه من التعثر أو الإهمال مع مرور الزمن.

إن الوقف في جوهره ليس بناءً فحسب، بل منظومة متكاملة من الإدارة والاستثمار والاستدامة والمسؤولية. وإذا كان بناء المسجد أو الحسينية عملًا جليلًا يؤجر عليه صاحبه، فإن ضمان استمرارية هذا العمل لعقود طويلة يمثل وجهًا آخر من وجوه البر والإحسان لا يقل أهمية عنه.

ولعل القضية التي شغلت الرأي العام خلال الأيام الماضية تذكرنا جميعًا بأن حماية المال الوقفي مسؤولية جماعية، وأن تطوير مؤسساته ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية ودينية وأخلاقية. كما أن نجاح المجلس الموحد الجديد لن يقاس فقط بقدرته على إدارة الحاضر، بل بقدرته على بناء منظومة وقفية أكثر كفاءة وشفافية واستدامة للأجيال القادمة.

ذلك هو التحدي الحقيقي، وذلك هو الأمل الذي يعلقه كثير من المواطنين على المرحلة الجديدة التي بدت ملامحها تتشكل اليوم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :