هل بات الانقسام صيغة "فلسطين الجديدة"؟!
جمال زقوت
08-06-2026 11:27 PM
على امتداد ما يقارب عقدين من الزمن، جرى التعامل مع الانقسام الفلسطيني وكأنه أزمة سياسية طارئة، مهما طال أمدها، ستجد في نهاية المطاف طريقها إلى الحل عبر الحوار أو المصالحة أو التفاهمات الوطنية. غير أن ما شهدته السنوات الماضية، وما يتكشف بصورة أكثر وضوحاً منذ حرب الإبادة على غزة، بات يستدعي الوقوف على مدى دقة هذا الافتراض.
الانقسام كبيئة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطين
يبدو أن السؤال لم يعد: متى ينتهي الانقسام؟ بل، هل ما زلنا نتحدث عن انقسام، أم عن واقع جديد يجري تكريسه إطاراً تُعاد من خلاله صياغة القضية الفلسطينية ومستقبلها السياسي؟
تكمن خطورة اللحظة الراهنة في أن الانقسام لم يعد مجرد نتيجة لأزمة داخلية، بل تحول تدريجياً إلى بيئة مواتية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الفلسطينية نفسها. فبينما تتعرض الضفة الغربية لعملية تفكيك ممنهجة عبر الاستيطان والضم وعزل المدن والقرى عن بعضها بعضاً، وليس فقط عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، تُطرح في غزة ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز، في كثير من جوانبها، الطابع المؤقت الذي يُفترض أن يرافقها.
قد تبدو هذه المسارات متباينة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند نتيجة واحدة وهي تكريس الانفصال بين مكونات الشعب الفلسطيني، وإغلاق الطريق أمام أي إمكانية واقعية لقيام دولة فلسطينية مستقلة وموحدة، في وقت لا تبدي القوى المهيمنة على المشهد أي فعل حقيقي لمنع أو حتى إعاقة هذا المسار.
لقد نجحت إسرائيل، إلى حد بعيد، في نقل مركز الاهتمام الدولي من جوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب واقع تحت الاحتلال، إلى قضايا الإدارة والاحتواء وضبط الاستقرار. وبات النقاش يدور حول مستقبل غزة وإدارتها، وحول كيفية منع الانهيار في الضفة الغربية، أكثر مما يدور حول إنهاء الاحتلال وتجسيد الحقوق الوطنية الفلسطينية. وهنا تكمن إحدى أخطر التحولات التي تواجه القضية الفلسطينية. فالقضايا الوطنية لا تُهزم فقط بالقوة العسكرية، بل قد تتعرض للتآكل عندما يُعاد تعريفها وتغيير موقعها في الوعي الدولي والإقليمي. والأكثر خطورة أن أطرافاً عديدة في الإقليم والعالم بدأت تتعامل مع الانقسام باعتباره حقيقة مستقرة، لا أزمة مؤقتة. ففي الوقت الذي ظل فيه الفلسطينيون يرفعون شعار إنهاء الانقسام دون المضي في مقاربات تدفع نحو تفكيكه، كانت سياسات كثيرة تُبنى على فرضية معاكسة تماماً، مفادها أن هذا الواقع باقٍ، وأن المطلوب هو التكيف معه وإدارته لا تغييره.
من هنا، فإن جوهر الأزمة لم يعد متعلقاً بلجنة هنا أو حكومة وسلطة هناك، ولا حتى بغياب الانتخابات أو تعثر المصالحة، على أهمية كل ذلك. نحن أمام أزمة تمس المشروع الوطني ذاته، وقدرة الفلسطينيين على الحفاظ على وحدة قضيتهم وتمثيلها السياسي ورؤيتها المستقبلية.
إعادة بناء النظام السياسي أم التكيّف مع الانقسام؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ضوء الترتيبات الجارية داخل النظام السياسي الفلسطيني، سواء ما يتعلق بما يسمى "دستور الدولة" أو بإعادة تشكيل مؤسسات التمثيل الوطني و"انتخابات" ملتبسة للمجلس الوطني الفلسطيني. فالقضية هنا لا تتعلق بأهمية الإصلاح أو تجديد الشرعيات، فهذه متطلبات وطنية لا خلاف عليها، وإنما بالسياق الذي تجري فيه هذه الخطوات، وبالأسس التي تقوم عليها والمآلات التي قد تنتهي إليها من ترسيخ للإقصاء و الانقسام .
ذلك أن إعادة بناء المؤسسات الوطنية يفترض أن تكون تتويجاً لحوار وتوافق وطنيين حول طبيعة المشروع الوطني وأولوياته وأدواته، لا بديلاً عنه. أما حين تُنفذ ترتيبات تأسيسية كبرى في ظل الانقسام القائم، ومن دون توافق وطني واسع، فإن السؤال المشروع يصبح: هل نحن بصدد إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أم بصدد ترسيخ تكييفه مع الوقائع الجديدة التي فرضها الانقسام؟
وتزداد خطورة هذا المسار إذا ما تحوَّلت الحالة من إقصاء قوى أو معارضات سياسية بعينها إلى إقصاء قطاعات واسعة من المجتمع عن المشاركة الفعلية في صياغة المستقبل الوطني. فالأزمة عندئذ لا تعود أزمة تمثيل سياسي فقط، بل تصبح أزمة علاقة بين النظام السياسي ومجتمعه، وبين المؤسسات الوطنية والفكرة التي أُنشئت من أجلها.
لقد امتلك الفلسطينيون، رغم ما تعرضوا له من نكبات وهزائم وانكسارات، فكرة وطنية جامعة تمثلت في مشروع التحرر الوطني وإقامة الدولة المستقلة. أما اليوم، فإن التحدي لم يعد يقتصر على سؤال الدولة المنشودة، بل يتجاوزه إلى سؤال أكثر إلحاحاً وهو كيف نحافظ على فكرة الدولة نفسها من التآكل، قبل أن تضيع إمكانية تجسيدها على الأرض؟
فالدول لا تنهار فقط عندما تفقد السيطرة على أراضيها، بل عندما تتفكك عناصرها المؤسسة، ولا سيما وحدة الجغرافيا، ووحدة المؤسسات، ووحدة النظام السياسي، ووحدة الرؤية الوطنية.
وإذا استمرت الاتجاهات الراهنة دون مراجعة جذرية، فإن الخطر لا يكمن فقط في ضياع أجزاء إضافية من الأرض الفلسطينية، بل في ترسيخ واقع تصبح فيه غزة كياناً قائماً بذاته، والأخطر أن يصبح كيانًا مشوهًا طاردًا وغير قابل للحياة، وتتحول الضفة الغربية إلى مجرد تجمعات سكانية منفصلة ومحاصرة، فيما تُدفع القدس خارج أي معادلة سياسية حقيقية.
عندها لن يكون الفلسطينيون أمام مشروع دولة مؤجلة، بل أمام واقع يجري فيه استبدال القضية الوطنية بقضايا معيشية وإنسانية وإدارية، مهما بلغت أهميتها.
غير أن مواجهة هذا المسار لا تبدأ بالشعارات، ولا تتوقف عند الدعوات المتكررة للمصالحة. إنها تتطلب إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني نفسه، على قاعدة الشراكة السياسية والديمقراطية، واستعادة دور المؤسسات الجامعة، وتجديد شرعية النظام السياسي، وربط ذلك كله برؤية وطنية قادرة على توحيد الفلسطينيين في الوطن والشتات حول أهداف مشتركة.
كما تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى التفكير الاستراتيجي بالمستقبل؛ فالشعوب التي تخوض معارك التحرر لا يكفيها الصمود، بل تحتاج أيضاً إلى امتلاك رؤية واضحة لما تريد أن تكون عليه بعد عقد أو عقدين من الزمن.
المعركة الدائرة اليوم ليست على الأرض وحدها، على أهميتها المصيرية، بل على المعنى السياسي لفلسطين ذاتها؛ هل تبقى قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال وتقرير المصير، أم تتحول إلى كيانات ومجتمعات منفصلة تُدار كل منها وفق شروط مختلفة؟ لهذا، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين لا يقتصر على إنهاء الانقسام فحسب، بل على منع تحوله إلى بنية دائمة تعيد تعريف القضية الفلسطينية ومستقبلها.
وما زالت الفرصة متاحة لتغيير المسار. غير أن الزمن لم يعد عاملاً محايداً في الصراع، بل بات أحد عناصره الفاعلة. فالقضية لم تعد تتعلق بإنهاء انقسام طال أمده فحسب، بل بالحفاظ على وحدة القضية الوطنية نفسها من التفكك والتآكل. وربما لم يعد السؤال كيف ننهي الانقسام، بل كيف نمنع أن يتحول هو نفسه إلى الصيغة الجديدة لفلسطين، و ربما تمهيدًا لمحاولة شطبها.