facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الجشطالت والإدارة الحديثة: لماذا لا يفهم الموظف المؤسسة من داخل قسم واحد؟


محمد نور الدباس
09-06-2026 02:01 AM

لا تزال كثير من المؤسسات والشركات العربية تُدار بعقلية “الجزر المعزولة”، حيث يُحبس الموظف داخل قسم محدد لسنوات طويلة، فيتحول تدريجياً إلى منفذ إجراءات لا أكثر، يعرف تفاصيل صغيرة في نطاقه الضيق، لكنه يجهل الصورة الكبرى للمؤسسة، ولا يدرك كيف ترتبط مهمته اليومية ببقية الإدارات أو بالأهداف الاستراتيجية العامة، وهذه إحدى أخطر المشكلات الإدارية الصامتة التي تعاني منها المؤسسات الحديثة، لأنها تنتج موظفين يتقنون الجزء، لكنهم يعجزون عن فهم الكل.

وهنا تبرز أهمية نظرية “الجشطالت” في علم النفس الإدراكي، والتي تقوم على فكرة جوهرية مفادها أن الإنسان لا يفهم الأشياء من خلال أجزائها المنفصلة، بل من خلال إدراكها كصورة كلية مترابطة، وأن “الكل أكبر من مجموع أجزائه”، وهذه الفلسفة لا تقتصر على علم النفس، بل يمكن أن تشكل ثورة حقيقية في تطوير الموارد البشرية وبناء القيادات داخل المؤسسات.

فالموظف الذي يعمل في قسم التسويق فقط، أو الموارد البشرية فقط، أو الجودة فقط، لن يتمكن غالباً من تكوين فهم عميق لطبيعة المؤسسة أو الشركة ورسالتها وآليات عملها، مهما بلغت خبرته في تخصصه، لأن الخبرة الجزئية، مهما طالت، تبقى ناقصة إذا لم تتكامل مع فهم العلاقات بين الأقسام المختلفة.

ولهذا فإن التنقل الوظيفي بين الإدارات المختلفة لا ينبغي أن يُنظر إليه كترف إداري أو عبء تنظيمي، بل كعملية بناء معرفي وإدراكي متكامل، فحين ينتقل الموظف بين أقسام التخطيط، والمتابعة، وخدمة الجمهور، والرقابة، والتطوير، تبدأ لديه عملية “الاستبصار”؛ أي تلك اللحظة التي يدرك فيها فجأة كيف تتحرك المؤسسة كوحدة واحدة، وكيف يؤثر كل قرار صغير على المنظومة بأكملها.

إن الموظف الذي يرى المؤسسة من زاوية واحدة، يشبه من يحاول فهم لوحة فنية ضخمة عبر النظر إلى جزء صغير منها فقط، قد يرى لوناً أو شكلاً، لكنه لن يدرك المعنى الكامل للصورة، أما الموظف الذي ينتقل بين الأقسام المختلفة، فإنه يبدأ بفهم العلاقات الخفية، ونقاط الضعف، ومصادر التعطيل، وأسباب الصراع الإداري، وطبيعة الترابط الحقيقي بين الوحدات المختلفة.

ومن هنا فإن المؤسسات الذكية لم تعد تعتمد على “الموظف المتخصص فقط”، بل على “الموظف النظامي”؛ أي الموظف الذي يفهم المؤسسة كشبكة مترابطة لا كأقسام منفصلة، فالقيمة الحقيقية للموظف اليوم لا تُقاس فقط بما يعرفه داخل مكتبه، بل بقدرته على فهم الأثر المتبادل بين جميع أجزاء المؤسسة.

كما أن هذا النهج يسهم في خلق قيادات أكثر نضجاً واتزاناً، فالقائد الحقيقي ليس من يحفظ أنظمة قسمه فقط، بل من يفهم كيف تؤثر قراراته على بقية الإدارات، وكيف يوازن بين المصالح المختلفة داخل المؤسسة، ولهذا نجد أن كثيراً من كبار القادة الناجحين في العالم مرّوا بتجارب متنوعة داخل مؤسساتهم قبل وصولهم إلى مواقع القيادة العليا.

إن المؤسسات التي تمنع التنقل بين الأقسام بحجة الحفاظ على “الاستقرار الإداري” قد تكون في الحقيقة تعيد إنتاج الجمود نفسه، وتصنع موظفين ذوي رؤية ضيقة، وتغذي النزاعات البيروقراطية بين الإدارات، لأن كل قسم يبدأ بالنظر إلى نفسه باعتباره “دولة مستقلة” لا جزءاً من كيان واحد.

وفي المقابل، فإن المؤسسات التي تتبنى فلسفة الجشطالت في الإدارة تبني ثقافة مختلفة تماماً؛ ثقافة ترى أن فهم الجزء لا يتحقق إلا من خلال فهم الكل، وأن المعرفة الحقيقية لا تتكون من تراكم المعلومات فقط، بل من إدراك العلاقات بينها.

لقد أصبح العالم اليوم أكثر تعقيداً وترابطاً، ولم يعد بالإمكان إدارة المؤسسات بعقلية التخصص المنغلق، فالمؤسسة الحديثة تشبه الكائن الحي؛ أي خلل في جزء منها ينعكس على بقية الأجزاء، ومن هنا فإن بناء موظف قادر على فهم هذه الشبكة المعقدة من العلاقات لم يعد خياراً تدريبياً، بل ضرورة استراتيجية لبقاء المؤسسات وتطورها.

وعليه فإن أكبر خطأ إداري يمكن أن ترتكبه أي مؤسسة هو أن تظن أن الموظف يفهمها لأنه يعمل فيها منذ سنوات. فطول الخدمة لا يعني دائماً عمق الفهم، أحياناً يحتاج الموظف إلى عبور الأقسام المختلفة، والاحتكاك بالتجارب المتنوعة، حتى يصل إلى تلك اللحظة الفارقة: لحظة الاستبصار، حيث يرى المؤسسة كاملة لأول مرة.

وبالنسبة لاحتكار المعلومة داخل المؤسسات فيُعدّ من أكثر الممارسات التي تُضعف الفاعلية التنظيمية وتحدّ من التعلم المؤسسي، وعند النظر إلى هذه الظاهرة من خلال عدسة نظرية الجشطالت (Gestalt Theory)، يتضح أن أثرها يتجاوز مجرد إبطاء تدفق المعلومات ليصل إلى إعاقة تكوين "الصورة الكلية" التي تُعد جوهر النظرية.

وتقوم نظرية الجشطالت على مبدأ أساسي مفاده أن "الكل أكبر من مجموع أجزائه"، وأن الإنسان لا يدرك الوقائع على شكل أجزاء منفصلة، بل يسعى إلى فهمها ضمن صورة متكاملة ذات معنى. وفي بيئة العمل، لا يستطيع الموظف أو المدير الوصول إلى فهم كامل لطبيعة المؤسسة وأهدافها وعلاقاتها الداخلية إذا كانت المعلومات موزعة بشكل انتقائي أو محتكرة من قبل أفراد أو وحدات معينة.

ولاحتكار المعلومة من منظور الجشطالت عدد من الآثار السلبية أبرز تشويه الصورة الكلية للمؤسسة عندما يمتلك بعض الأفراد أجزاء من المعلومات ويُحرم الآخرون منها، يصبح فهم الموظفين للواقع المؤسسي ناقصاً. وبدلاً من رؤية المؤسسة كنظام متكامل، ينظر كل موظف إلى جزء محدود منها، مما يؤدي إلى قرارات غير متناسقة وتفسيرات متباينة للأهداف والسياسات، وإعاقة الوصول إلى مرحلة الاستبصار تؤكد نظرية الجشطالت أن التعلم الحقيقي يحدث عبر "الاستبصار"، أي إدراك العلاقات بين العناصر المختلفة بشكل مفاجئ وواضح. لكن الاستبصار يتطلب توفر المعطيات الأساسية. فإذا كانت المعلومات محجوبة، يصبح من الصعب على الموظف الربط بين الأسباب والنتائج أو فهم السياق العام للعمل.

وكذلك إضعاف العمل الجماعي الجشطالت تنظر إلى الفريق باعتباره وحدة متكاملة، وليس مجرد أفراد يعملون جنباً إلى جنب. واحتكار المعرفة يخلق جزرًا معزولة داخل المؤسسة، ويحول دون تكامل الخبرات والمعارف بين الأقسام المختلفة، زمن هذه الأثار السلبية أيضاً تعزيز التبعية للأشخاص بدلاً من الأنظمة عندما تصبح المعرفة حكراً على أفراد محددين، تتحول المؤسسة إلى رهينة لهؤلاء الأشخاص، وفي حال غيابهم أو انتقالهم أو تقاعدهم، تفقد المؤسسة جزءاً من ذاكرتها التنظيمية، وهو ما يتعارض مع مفهوم التنظيم المتكامل الذي تؤكد عليه الجشطالت.

وكذلك إضعاف الإبداع والابتكار الأفكار الجديدة غالباً ما تنشأ من الربط بين معلومات وخبرات متنوعة، وعندما تُحتكر المعلومات، تتراجع فرص تكوين روابط جديدة بين المعارف المختلفة، ما يحد من الابتكار وحل المشكلات بطرق غير تقليدية، وانخفاض الثقة التنظيمية احتكار المعلومة يرسل رسالة ضمنية بأن المعرفة مصدر قوة شخصية وليست مورداً مؤسسياً مشتركاً. وهذا يؤدي إلى انتشار الشكوك والصراعات الداخلية وتراجع ثقافة التعاون.

ومن منظور إداري حديث، فإن المؤسسة التي تتبنى مبادئ الجشطالت تحتاج إلى بناء ثقافة تقوم على تداول المعرفة، والتنقل الوظيفي بين الأقسام، والعمل التشاركي، والتوثيق المؤسسي للمعلومات، فكلما اتسعت دائرة المعرفة داخل المؤسسة، أصبح العاملون أكثر قدرة على فهم الصورة الكبرى، واتخاذ قرارات أفضل، والوصول إلى الاستبصار الذي يحول المعلومات المتفرقة إلى فهم متكامل.

وبالتالي، فإن احتكار المعلومة لا يُعد مجرد سلوك إداري سلبي، بل يمثل في جوهره نقيضاً لفلسفة الجشطالت؛ لأنه يحجب أجزاء الصورة عن العاملين، ويمنعهم من رؤية الكل الذي يمنح العمل معناه الحقيقي، وفي المؤسسات الناجحة لا تُعتبر المعلومة ملكية فردية، بل رأس مال مؤسسي يزداد قيمة كلما تم تداوله ومشاركته بين الجميع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :