facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دائرة السير والترخيص… أخلاق الدولة في لحظة ازدحام


كابتن أسامة شقمان
09-06-2026 02:02 AM

ليست الطرق مجرد إسفلتٍ تمتد عليه المركبات، وليست الأنفاق مجرد ممراتٍ تحت الأرض، بل هي امتحان يوميّ لصبر الناس، ومرآة خفية لوعي المجتمع، ومختبر صامت تُقاس فيه أخلاق المؤسسات والأفراد معًا.

قبل أيام، تعطلت سيارتي داخل النفق الواصل من طريق المطار إلى ميدان الثورة العربية الكبرى، على بُعد مسافة قصيرة من البيت. كانت الساعة تقارب الخامسة مساءً، في ذروة الازدحام، حين تكون المدينة في أكثر لحظاتها توترًا، وحين يصبح توقف مركبة واحدة كافيًا لأن يربك حركة شارع كامل، ويضاعف قلق الناس، ويحوّل العطل الصغير إلى أزمة كبيرة.

في تلك اللحظة لم أكن أمام عطلٍ ميكانيكي فحسب، بل أمام سؤالٍ أعمق: ماذا تفعل الدولة حين يضيق الطريق؟ وماذا يفعل الإنسان حين يرى غيره في موقف حرج؟ وهل النظام مجرد تعليمات تُطبّق، أم هو أخلاق تتحرك في الوقت المناسب؟

لم تمضِ دقائق حتى وصل رقيب سير شاب من دائرة السير، يحمل في حضوره ما هو أكبر من الرتبة، وأعمق من الواجب. جاء هادئًا، مبتسمًا، مهنيًا، راقيًا في تعامله، سريعًا في تقدير الموقف، كأنما كان يدرك أن تنظيم السير ليس إدارة مركبات فقط، بل حماية لسكينة الناس، وصون لكرامة من باغتته الظروف، وتخفيف لحدة التوتر في لحظة مزدحمة.
هناك، وسط النفق، رأيت معنى الوظيفة العامة حين تتحول من نصٍّ في قانون إلى خلقٍ في السلوك. فالمؤسسة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من تعليمات، بل بما يظهر على وجه موظفيها عند الشدة؛ ولا تُعرف هيبة الدولة من علو الصوت، بل من رصانة الأداء، وعدالة التصرف، وإنسانية التعامل.

ثم اكتمل المشهد بصورة من صور النخوة الأردنية الأصيلة، حين توقف أحد النشامى، لا أعرف اسمه، بسيارة “بك أب”، وتبرع بسحب سيارتي خارج النفق. لم يسألني من أنا، ولم ينتظر مقابلًا، ولم يبحث عن مديح. فقط رأى حاجة، فتحرك. وفي هذا وحده درس كبير: أن الخير الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور، وأن الشهامة الصادقة تفعل فعلها ثم تمضي بصمت.

وأكتب اليوم، وقد هدأ الموقف في الذاكرة، لا لأروي حادثة شخصية، بل لأقول إن بعض المواقف الصغيرة تكشف معاني كبيرة. لقد رأيت في ذلك الرقيب الشاب صورة مشرّفة لدائرة السير، ورأيت في أدائه أن الاحترافية ليست سرعة إنجاز فقط، بل رقيّ نفس، وحسن تقدير، وقدرة على أن تجعل المواطن يشعر أنه ليس وحده حين تضيق به الطريق.
وقبل هذا الموقف، كنت قد أنجزت معاملة ترخيص سيارتي، فوجدت في دائرة الترخيص سرعة في الإنجاز، واحترامًا في التعامل، وتنظيمًا يبعث على التقدير. وهذه شهادة حق ينبغي أن تُقال؛ لأن الإنصاف لا يكتمل بالنقد وحده، بل بالشكر حين يكون الشكر واجبًا. فالمؤسسة التي تعمل باحتراف تستحق أن تُذكر، والموظف الذي يؤدي عمله بأمانة يستحق أن يُشكر.

ولهذا الشكر في نفسي معنى خاص؛ فوالدي، رحمه الله، شغل في منتصف السبعينات منصب مدير الترخيص. ومن يعرف سيرة الآباء في خدمة الدولة يدرك أن المنصب ليس كرسيًا عابرًا، بل أمانة تُترك في ذاكرة الأبناء. لذلك، حين رأيت المهنية في دائرة الترخيص، وحين رأيت النبل في أداء رجل السير، شعرت أن في المؤسسات أرواحًا ممتدة، وأن خدمة الناس الصادقة لا تموت، بل تنتقل من جيل إلى جيل، ومن يدٍ إلى يد، ومن ضمير إلى ضمير.

إنني أتقدم بالشكر والتقدير إلى دائرة السير، وإلى دائرة الترخيص، وإلى كل من يعمل في الميدان والمكاتب بصمتٍ وإخلاص. كما أخص بالشكر ذلك الرقيب الشاب الذي لم أعرف اسمه، لكنه عرّفني بمعنى جميل من معاني الخدمة العامة، وأشكر ذلك النشمي الذي توقف في لحظة ازدحام، فاختصر بأخلاقه محاضرة كاملة في المواطنة.

ما أجمل أن نرى الدولة في ابتسامة رجل سير، وأن نرى الوطن في نخوة عابر طريق، وأن نرى القانون وقد لبس ثوب الرحمة، والنظام وقد امتزج بالإنسانية.

والحكمة التي يتركها هذا الموقف أن الطرق لا تضيق بالمركبات وحدها، بل تضيق حين يغيب الخُلق، وتتسع حين يحضر الإنسان. فليست قيمة المرء بما يملك، ولا بما يحمل من رتبة أو منصب، بل بما يقدمه حين لا يكون ملزمًا إلا بضميره. ومن أراد أن يخدم وطنه حقًا، فليبدأ من لحظة صغيرة: كلمة طيبة، يد ممدودة، ابتسامة صادقة، وعمل يُؤدّى كأنه عبادة.

فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالضمائر الحية؛ ولا ترتفع بالأنظمة فقط، بل بالأخلاق التي تجعل النظام رحمة، وتجعل الواجب شرفًا، وتجعل الإنسان أخًا للإنسان في ساعة الضيق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :