من عمان الى دمشق رحلة قصيرة ومسافة طويلة بين فكرتين للدولة
د. هاني العدوان
09-06-2026 02:04 AM
الزيارة ليست رحلة سياحية، فالغاية كانت عقد قران ابن أخي على شابة سورية من أسرة طيبة وعريقة
ظننت قبل السفر أن الرحلة ستنتهي بانتهاء المناسبة العائلية لكن الذي حدث أن المناسبة تحولت إلى نافذة واسعة اطللت منها على واقع مختلف تماما عما استقر في الذهن خلال سنوات طويلة
خرجت من عمان برفقة اثنين من اخوتي والعريس
الطريق من عمان إلى حدود جابر كما هي العادة
الرادارات تراقب
الكاميرات تراقب
الدوريات الأمنية منتشرة
وكلما اقتربت من الحدود ازداد ذلك الإحساس القديم بان الدولة تنظر إلى مواطنيها وزوارها من زاوية الضبط والمراقبة قبل أي زاوية اخرى
وعندما وصلنا إلى مركز حدود جابر كانت أول محطة هي دفع رسوم المغادرة
عشرة دنانير عن كل شخص
اربعون دينارا غادرت جيوبنا قبل أن نغادر الوطن
قد يبدو الرقم بسيطا للبعض
وقد يعتبره آخرون أمرا طبيعيا
لكن ما استوقفني ليس المبلغ
الذي استوقفني هو الفارق بين الرسالة التي يتلقاها الإنسان هنا والرسالة التي يتلقاها بعد دقائق قليلة على الجانب الآخر
في هذه الجهة تبدأ الرحلة بالدفع
وفي الجهة المقابلة تبدأ الرحلة بالترحيب
بعد إستكمال الإجراءات تحركنا نحو المعبر السوري
كنت أحمل في ذهني صورة تراكمت عبر سنوات من نشرات الأخبار والتقارير السياسية وصور الحرب والدمار والنزوح
صورة لبلد استنزفته المعارك واثقلت كاهله الأزمات
لكن الصورة التي استقبلتنا عند نقطة العبور لم تشبه تلك الصورة القديمة إطلاقا
موظفون يبتسمون
كلمات ترحيب تتكرر مع كل مسافر
كلام رقيق يلامس القلوب أهلا وسهلا نورتوا سوريا حياكم الله
وخلال أقل من خمس دقائق كانت الجوازات مختومة والإجراءات منتهية
وقفت للحظة اتأمل المشهد
بلد خرج من سنوات ثقيلة من الحرب
بلد عرف النزوح والدمار والعقوبات
ومع ذلك اختار أن تكون أول رسالة يرسلها للزائر رسالة ترحيب
غادرنا الحدود وانطلقنا نحو دمشق
على جانبي الطريق كانت المفاجآت تتوالى
أرض خضراء، مزارع ممتدة، حركة شاحنات، ورش عمل، مبان جديدة، وسيارات تسير في كل الاتجاهات
كنت أبحث بعيني عن صورة الخراب التي حفرتها سنوات الحرب في الذاكرة
لكن الذي كنت أراه أمامي كان شيئا مختلفا تماما
كلما اقتربنا من دمشق ازداد المشهد حيوية
وكلما اقتربنا من العاصمة ازداد السؤال حضورا في ذهني
كيف استطاع هذا البلد أن ينهض بهذه السرعة
دخلنا دمشق
وهنا بدأت مرحلة أخرى من الرحلة
مدينة لا تنام، أسواق تعج بالناس، مطاعم مزدحمة، مقاهي ممتلئة، حركة تجارية في كل إتجاه، ووجوه تحمل قدرا كبيرا من الطمأنينة والتفاؤل الأكثر لفتا للإنتباه كان الحضور الخليجي
في المطعم، في السوق، في المقاهي، في المشاريع الجديدة، في كل مكان تقريبا
وعندما كنت اسأل عن برج جديد او مجمع تجاري او مشروع قيد الانشاء كانت الاجابة تتكرر بصورة لافتة
هذا إستثمار اماراتي
وهذا مشروع سعودي
وهذا لمستثمرين من الكويت
وهذا لرجل أعمال خليجي
بعدها بدأت افهم الرسالة
سوريا اليوم لا تنتظر المستثمر
سوريا تذهب إليه ، تفتح له الأبواب
وتقول له تعال استثمر، اعمل، ابن مشروعك
وكن شريكا في المرحلة القادمة
في دمشق بدأت تتكشف صورة اخرى من صور المجتمع السوري
المناسبة التي جاءت بنا إلى الشام كانت عقد قران ابن اخي على ابنة عائلة كريمة مقدرة، أسرة دمشقية عريقة تتمتع باحترام كبير بين معارفها ومحيطها الإجتماعي
العروس تحمل درجة الماجستير في الرياضيات، وتنتمي إلى بيت يجمع بين العلم والأخلاق والثقافة
دخلنا إلى منزل الأسرة ونحن نحمل في اذهاننا كثيرا من الصور النمطية التي صنعتها السنوات الماضية، لكن دقائق قليلة كانت كافية لتبديد تلك الصور، جلسة كانت عامرة بالأدب، حديث راق، تواضع يليق بالكبار، كرم طبيعي، إحترام للضيف يشعره أنه بين اهله
وخلال الحديث عن ترتيبات الزواج وقفت عند نقطة استحقت الكثير من التفكير
كامل المهر وما يرتبط به من التزامات مالية لا يكاد يذكر لفتاة تحمل شهادة عليا ومن أسرة معروفة بمكانتها الإجتماعية
عائلة لا ينقصها الاحترام ولا المكانة ولا الاعتزاز بالنفس
في تلك اللحظة حضرت المقارنة تلقائيا
كم شاب أردني يؤجل زواجه سنوات طويلة بسبب التكاليف
كم أسرة تستنزف مدخراتها في حفلات ومظاهر إجتماعية لا تضيف شيئا الى إستقرار الحياة الزوجية
كم بيت يتأخر تأسيسه بسبب ارقام فلكية يجري التعامل معها وكأنها امر طبيعي
وجدت نفسي أفكر أن المجتمع الذي يسهل الزواج يسهل بناء الأسرة
والمجتمع الذي يرهق الشباب قبل بداية حياتهم يدفع اثمانا إجتماعية واقتصادية باهظة
وخلال الأيام القليلة التي امضيناها في دمشق لم تقتصر المفاجآت على المناسبة العائلية
في كل شارع قصة، وفي كل مجلس حكاية
وفي كل لقاء نافذة جديدة لفهم ما يجري داخل هذا البلد
كنا نقف بانتظار سيارة أجرة للعودة إلى الشقة التي نقيم فيها في منطقة المزة
ثلاثة شبان كانوا يجلسون على الرصيف
أحدهم التفت نحونا وسأل
أنتم من الاردن اجبناه نعم
نهض من مكانه وكأننا اصدقاء يعرفهم منذ سنوات
رحب بنا بحرارة وسأل عن وجهتنا
وحين عرف أننا متجهون إلى المزة قال ببساطة
تفضلوا معي أنا سأوصلكم، اعتذرنا، ابتسم وأصر ، كررنا الاعتذار، فكرر الإصرار
ركبنا معه وطوال الطريق كان الحديث يدور حول الأردن وسوريا والعلاقات بين الشعبين
وصلنا إلى مقصدنا
أخرجنا مبلغا بسيطا تعبيرا عن الإمتنان
رفض بصورة قاطعة
قال عبارة ما زالت عالقة في ذهني حتى هذه اللحظة، أنتم ضيوفنا، والضيف واجبه كبير عندنا
ثم دعانا إلى منزله لتناول العشاء
اعتذرنا بسبب ارتباطات سابقة
سألته عن اسمه وعن عمله
فاكتشفنا أنه محامي
واكتشفنا أيضا انه مسيحي
في تلك اللحظة لا الديانة ولا المهنة هي المهمة بالنسبة لي بل كان الأهم ، كان ذلك النموذج الإنساني الذي يعكس طبيعة مجتمع كامل، مجتمع تعب كثيرا، وتألم كثيرا
لكنه أحتفظ بقدرته على المحبة والكرم والتسامح
وخلال حديثنا معه أنتقل الحوار إلى الإستثمار والإقامة وشراء السيارات
سألته عن إمكانية امتلاك أردني لسيارة تحمل لوحات سورية
فشرح المسألة بهدوء
ثم تحدث عن السجل التجاري
وعن التسهيلات المرتبطة به
وعن الإجراءات المطلوبة للحصول عليه
اللافت في حديثه أن الامور كانت تبدو واضحة وبسيطة ومباشرة
لا متاهات، لا تعقيدات، لا عشرات المراجعات
ولا مئات الاختام
ثلاثة آلاف دولار جمارك لأي سيارة مهما كان نوعها، هذه الحديثه من 2020الى 2026 أما دون ذلك من الموديلات فقط ألف دولار جمارك السيارة مهما كان نوعها
كل شيء مصمم ليطمئن نفوس الناس ويشجعهم على العمل
ومع كل يوم جديد كانت قناعة أخرى تترسخ في داخلي
سوريا لا تكتفي باستقبال المستثمر
سوريا تعمل على اغرائه بالبقاء
وتعمل على اقناعه بأن يكون جزءا من مشروعها القادم
ولذلك لم يكن مستغربا أن ترى هذا العدد الكبير من الخليجيين في دمشق والأرياف والمناطق السياحية
وليس مستغربا أن تسمع كثيرا من الزوار العرب يتحدثون عن شراء عقار أو افتتاح مشروع أو الحصول على إقامة طويلة
الناس تتحرك باتجاه الفرصة
وهذه قاعدة لا تتغير
وحين يشعر الإنسان أن الفرصة موجودة أمامه فإنه يبدأ بالتفكير بطريقة مختلفة تماما
بدأت أسأل نفسي ماذا سيحدث بعد خمس سنوات إذا أستمر هذا المسار
وماذا سيحدث بعد عشر سنوات إذا استمرت رؤوس الاموال العربية بالتدفق نحو دمشق
ذلك السؤال بقي مفتوحا في ذهني ونحن ننتقل بين أحياء المدينة ومناطقها المختلفة
ثم جاءت واحدة من اكثر المحطات تأثيرا في الرحلة كلها
على ضفاف بردى
على ضفاف بردى بدأت أفهم جانبا آخر من التحولات التي يعيشها هذا البلد
هناك أماكن كانت غائبة، لم نسمع بها
ولا نستوعب معناها وجمالها من خلال الصور
هناك أماكن تحتاج أن نمشي فيها حتى ندرك حجم التحول الذي جرى
في إحدى الامسيات توجهنا نحو المنطقة الممتدة على سفوح الجبال المحاذية لنهر بردى باتجاه الاراضي اللبنانية
منطقة ارتبط إسمها لعقود طويلة بمراكز النفوذ والقصور الرئاسية والمناطق المغلقة والحواجز والقيود
كل من عاش المرحلة السابقة يعرف ماذا كانت تمثل تلك المنطقة في المخيلة الشعبية السورية
مساحات واسعة كانت بعيدة عن الناس
ومناطق ارتبطت بالسلطة والنفوذ والخصوصية المغلقة
لكن المشهد الذي رأيته هناك دفعني للتوقف طويلا
على إمتداد النهر تنتشر المقاهي والمطاعم والشاليهات والمنتجعات الصغيرة
العائلات تملأ المكان
الموسيقى تنبعث من هنا وهناك
الأضواء تتراقص فوق صفحة المياه
والمطاعم تكاد لا تجد فيها طاولة شاغرة
كل شيء يوحي بالحياة
وكل شيء يوحي بأن المكان عاد الى الناس
جلست أراقب المشهد بصمت
على يساري نهر بردى
وامامي عشرات العائلات السورية
وحولي زوار من دول عربية متعددة
وخلفي جبال الشام التي حفظت تاريخ هذه المدينة منذ الاف السنين
في تلك اللحظة لم أفكر بالمطاعم ولا بالمقاهي
كنت أفكر بالرسالة
رسالة تقول أن الشعوب التي تعود إلى الحياة تستطيع أن تحول أكثر الأماكن حساسية إلى فضاءات مفتوحة للناس
مع حلول المساء ازداد المكان ازدحاما
وأصبحت المنطقة كلها أشبه بمدينة صغيرة مستقلة
الحركة مستمرة
السيارات تتدفق
الناس تضحك
والحياة تسير بهدوء وسلاسة
شعرت للحظة وكأن جزءا كبيرا من دمشق اختار أن يقضي امسياته هناك بعيدا عن الضوضاء
وقريبا من شعور كان نادر اسمه الطمأنينة
في اليوم التالي كان موعد صلاة الجمعة
توجهنا إلى أحد مساجد المزة
كنت أراقب المشهد باهتمام
ليس من باب الفضول الديني
بل من باب محاولة فهم المزاج العام داخل المجتمع السوري
امتلأ المسجد بالمصلين
واعتلى الخطيب المنبر
ثم بدأ حديثه
تكلم عن العمل الصالح
عن التراحم بين الناس
عن صلة الرحم
عن الاخلاق
عن بناء المجتمع
عن التعاون والتلاحم
عن قيمة الانسان
وعن ضرورة أن يحمل كل فرد جزءا من مسؤولية النهوض بوطنه
كانت الكلمات بسيطة
مباشرة
قريبة من الناس
وبعيدة عن الاستعراض
ثم جاءت لحظة الدعاء
كان الدعاء لسوريا
ولاهلها
وللشعوب العربية
وللأمة الاسلامية
ولكل إنسان يبحث عن الامن والإستقرار والرزق الكريم
خرجت من المسجد وأنا أفكر في حجم التغير الذي يمر به هذا البلد
في الشارع كانت الحركة طبيعية
والمحال مفتوحة
والمطاعم تستقبل زبائنها
والناس تمارس حياتها اليومية بثقة وهدوء
وخلال تنقلاتنا في دمشق بدأت انتبه إلى تفصيل اخر
السيارات الحديثة في كل مكان
طرازات جديدة
مركبات لم اعتد رؤيتها بهذا العدد حتى في كثير من العواصم العربية
سألت اكثر من شخص عن السبب
فكانت الإجابة متشابهة
انفتاح واسع على الاستيراد
وإجراءات اكثر مرونة
ورسوم تختلف جذريا عما اعتدنا عليه في الأردن
وفي كل مرة كنت أسمع إجابة جديدة كانت المقارنة تعود إلى الذهن من جديد
ليس بدافع الانتقاص من وطني
بل بدافع الخوف عليه
فالإنسان حين يحب وطنه يصبح أكثر حساسية تجاه كل فرصة تضيع
وأكثر قلقا حين يرى الآخرين يتحركون بسرعة بينما يبقى هو واقفا في المكان نفسه
وخلال تلك الأيام بدأت ألاحظ شيئا يتكرر بصورة لافتة
كل اردني التقيته هناك كان يتحدث عن الإستثمار
او يفكر بالاستثمار
او يسأل عن الإستثمار
بعضهم يسأل عن شراء شقة
بعضهم يسأل عن متجر
بعضهم يسأل عن مطعم
بعضهم يسأل عن مكتب
وبعضهم يسأل عن اقامة طويلة
كأن فكرة واحدة بدأت تتسلل الى اذهان كثيرين
إذا أستمر هذا المسار الإقتصادي بالصعود فمن الصعب تجاهل الفرص التي تتشكل هناك
وفي تلك اللحظة تحديداً تذكرت عبارة سمعتها من أحد السوريين
قال لي
الحرب انتهت يوم قرر الناس العودة الى العمل
بقيت تلك العبارة ترافقني حتى اليوم
لأنها تختصر ما رأيته في دمشق كلها
مدينة تعمل
وشعب يعمل
ودولة تحاول أن تفتح الأبواب أمام من يريد العمل
لكن المشهد الأكثر تأثيرا في الرحلة كلها لم يكن في دمشق
ولم يكن على ضفاف بردى
ولم يكن في المزة
المشهد الاكثر تأثيرا كان ينتظرني على الحدود في طريق العودة إلى الاردن
بدأت رحلة العودة
غادرنا دمشق كما يغادر الإنسان مكانا ترك فيه جزءا من ذاكرته
على إمتداد الطريق نحو الحدود كنت أستعيد كل ما شاهدته خلال الايام الماضية
عائلة سورية تفتح قلبها قبل بيتها
شباب يتعاملون مع الغرباء وكأنهم أصدقاء قدامى
أسواق تنبض بالحياة
مشاريع ترتفع من بين آثار سنوات الحرب
مقاه وشاليهات تعج بالناس على ضفاف بردى
مستثمرون عرب يتنقلون بين المواقع والمشاريع
شوارع معبدة خالية من المطبات والحفر
ومدينة تحمل على كتفيها تاريخا ثقيلا لكنها تتحدث عن المستقبل أكثر مما تتحدث عن الماضي
كل تلك الصور كانت تدور في ذهني ونحن نقترب من المعبر الحدودي
وصلنا إلى الجانب السوري
مرة أخرى حضرت البساطة
موظفون يؤدون عملهم بهدوء
إجراءات واضحة بوقت قصير وكلمات وداع وابتسامات ودعوات بالسلامة
وخلال أقل من خمس دقائق كنا قد أنهينا كل شيء
تأملت المشهد للمرة الاخيرة
ثم تحركنا نحو الجانب الأردني
وهنا بدأت قصة مختلفة تماما
طوابير طويلة
سيارات متوقفة على إمتداد النظر
بخمسة مسارب
مئات المسافرين
عائلات كاملة تنتظر تحت حرارة الصيف
أطفال يتباكون
شيوخ يبحثون عن ظل
وجوه متعبة
ونفوس بدأت تفقد صبرها مع مرور الوقت
مرت ساعة
ثم ساعة أخرى
ثم ثالثة
ثم رابعة
أربع ساعات كاملة من الإنتظار
أربع ساعات كانت كافية لأن يمر في ذهني شريط طويل من الاسئلة
في تلك اللحظات انقطع تفكيري بسوريا
بدأت أفكر بالاردن
أفكر بهذا الوطن الذي نحبه جميعا
أفكر بالفرص التي تضيع
أفكر بالرسائل التي تصل إلى الزائر والمستثمر والسائح والمواطن
وافكر بالفارق الهائل بين عقلية تسأل نفسها كيف تستقطب الناس، وعقلية تنشغل بكيفية ضبطهم ومراقبتهم وتعقيد حركتهم
وخلال الانتظار جلست تحت مظلة صغيرة الى جانب مواطن خليجي كان عائدا من دمشق
بادرني بالحديث
كان الرجل غاضبا ومستغربا في الوقت نفسه
قال لي
هذه آخر مرة أدخل فيها الأردن بسيارتي
في المرة القادمة سأركب الطائرة من بلدي إلى دمشق مباشرة
ثم أضاف
يا أخي ما الذي يحدث هنا
أين مصلحة بلدكم
كيف تريدون للسائح أن يعود
كيف تريدون للمستثمر أن يأتي
كيف تريدون للناس أن تنفق اموالها عندكم وهي تقضي ساعات طويلة واقفة على الحدود
كنت أستمع اليه بصمت
ليس لأنني لا أملك جوابا
بل لأنني كنت أسأل الأسئلة نفسها
السؤال الحقيقي لم يكن يتعلق بأربع ساعات فقط
أربع ساعات يمكن أن تنتهي وينساها الإنسان
لكن القضية أعمق من ذلك بكثير
القضية تتعلق بالفلسفة التي تحكم العلاقة بين الدولة والانسان
هل الإنسان شريك في بناء الإقتصاد
أم ملف يحتاج الى مزيد من الإجراءات
هل المستثمر فرصة وطنية
أم حالة تحتاج إلى مزيد من الشك والقيود
هل السائح مصدر دخل وفرص عمل
أم عابر سبيل لا قيمة لتجربته وانطباعه
كل دولة تملك الحق في حماية حدودها
وكل دولة تحتاج الى أجهزة امنية قوية
ولا أحد عاقل يمكن أن يجادل في أهمية الأمن
لكن الأمن الناجح هو الأمن الذي يحمي الوطن ويخدم الإقتصاد في الوقت نفسه
الأمن الذي يمنح المستثمر الطمأنينة
ويمنح السائح الراحة
ويمنح المواطن الشعور بالثقة
أما حين تتحول الإجراءات الى غاية بحد ذاتها، وعندما يصبح التعقيد جزءا من الثقافة الإدارية وعندما يخرج الإنسان من التجربة وهو يشعر بالارهاق والتذمر فهنا يصبح من حق الجميع أن يتساءلوا عن الجدوى والنتائج
في حدودنا لم يكن الهاجس أمني ابدا بقدر ما كان جباية وتعقيد وكأننا نقول للزائر أو المار من أرضنا لا تعود مرة أخرى
نسيت أمرا مهما وهو من أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذهني خلال الرحلة كلها قصة صغيرة في ظاهرها لكنها كبيرة في دلالاتها
قبل مغادرة دمشق ذهبت إلى صيدلية راقية لشراء مجموعة من الأدوية والفيتامينات
بعد أن دفعت الثمن أجريت مقارنة بسيطة مع أسعار المنتجات نفسها في الاردن
النتيجة كانت صادمة
المجموعة التي دفعت ثمنها ما يعادل ستة دنانير وخمسة وثمانين قرشا في دمشق كانت ستكلفني نحو سبعة وخمسين دينارا في الأردن
توقفت طويلا عند هذا الرقم
ليس لأنني أبحث عن توفير بضعة دنانير
بل لأن الفارق يكشف جزءا من الصورة الاقتصادية التي يعيشها المواطن
المواطن يحسب
والمستثمر يحسب
والسائح يحسب
وصاحب العمل يحسب
والعائلة التي تفكر بالاستقرار تحسب
الجميع يقارن بين الكلفة والفرصة
بين ما يدفعه هنا وما يدفعه هناك
بين ما يحصل عليه هنا وما يحصل عليه هناك
وخلال الأيام التي قضيتها في دمشق سمعت عشرات المرات حديثا يدور حول الإستثمار والإقامة وشراء العقارات وتأسيس المشاريع
هذا الحديث ليس فقط من رجال اعمال كبار
بل من اشخاص عاديين
وهنا بدأت تتشكل لدي قناعة تستحق التوقف عندها
الإستثمار لا يهاجر بسبب الحروب فقط
الإستثمار يهاجر أيضا عندما يشعر بأن هناك مكانا آخر أكثر ترحيبا
أكثر مرونة
أكثر قدرة على فهم احتياجاته
والسياحة لا تتراجع بسبب غياب المواقع الجميلة
الأردن يملك من الجمال الطبيعي والتاريخي ما يكفي ليكون من أهم الوجهات في المنطقة
لكن السائح لا يتذكر الجبال والآثار فقط
يتذكر ايضا كيف استقبل
وكيف عاملته المؤسسات
وكم أنتظر
وكم دفع
وكم شعر بالراحة او الضيق
والأمر ذاته ينطبق على المستثمر
وعلى المواطن
وعلى كل إنسان يفكر بمستقبله
لقد عدت من سوريا وأنا أحمل حبا أكبر للأردن
لكنني عدت أيضا محملا بقلق حقيقي
لأنني رأيت بأم عيني بلدا خرج من سنوات قاسية من الحرب والدمار والعقوبات ثم قرر أن يفتح أبوابه للحياة
ورأيت في المقابل وطنا أملكه في قلبي قبل أن أحمله في جواز سفري، يملك من المقومات ما يجعله في مقدمة دول المنطقة، لكنه ما زال بحاجة إلى مراجعة عميقة لبعض السياسات والإجراءات والعقليات التي لم تعد تنسجم مع طبيعة المنافسة الإقتصادية التي يشهدها العالم
فالاوطان لا تخسر حين تستمع الى النقد
الأوطان تخسر عندما تتوقف عن مراجعة نفسها
والأوطان لا تضعف حين تعترف بأخطائها
الأوطان تضعف عندما تقنع نفسها بأن كل شيء يسير على ما يرام بينما العالم من حولها يتغير كل يوم
هذه ليست شهادة ضد الأردن
بل شهادة من أجل الأردن
وليست مديحا لسوريا على حساب وطني
بل قراءة صادقة لما رأيته ولمسته وسمعته خلال رحلة قصيرة بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والدم والعلاقات الإنسانية
رحلة بدأت بحضور عقد قران في دمشق
وانتهت بسؤال كبير ما زال يبحث عن جواب
كيف استطاعت سوريا وهي الخارجة من بين الركام ان تقنع الناس بالنظر إلى المستقبل
وكيف يستطيع الأردن أن يستعيد قدرته على جعل المواطن والمستثمر والسائح يشعرون بأن هذا الوطن هو الخيار الأول لا الخيار الاخير
ذلك السؤال بدأ من بداية رحلتي
ويعود معي الى عمان