facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل


د. محمد القضاة
09-06-2026 08:31 AM

هل نمتلك الشجاعة الكافية للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل؟ سؤالٌ طرحه الدكتور عبدالله الزعبي في مقالته المنشورة في جريدة الغد بتاريخ 3/6/2026 بعنوان: "هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟" ولعلّه كان من أكثر الأسئلة أهميةً وعمقاً في خاتمة المقال؛ لأنه يضعنا أمام استحقاق وطني يتجاوز معالجة المشكلات الآنية إلى التفكير بمستقبل الدولة والمجتمع.

استوقفني هذا السؤال لما ينطوي عليه من دلالات تتصل بواقع الأردن وتحدياته، ولما يثيره من رغبة صادقة في رؤية الوطن يتجاوز أزماته نحو آفاق أرحب من التنمية والاستقرار. ولعلّ في قول الشاعر الحكيم زهير بن أبي سلمى ما يعبّر عن حالة السأم من تكرار الأزمات واستنزاف الطاقات:

سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِشْ
ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ

لقد جاءت هذه الحكمة الخالدة في سياق حربٍ طويلة دارت بين عبس وذبيان لأسباب لم تكن توازي حجم الدماء التي أُريقت فيها، غير أنّ العصبية القبلية آنذاك كانت كفيلة بإطالة أمد الصراع وتعميق آثاره. وفي خضمّ ذلك المشهد المضطرب برز زهير بن أبي سلمى صوتاً للحكمة والسلام والإنسانية، فخلّد في معلقته مواقف الرجال الذين سعوا إلى إنهاء الحرب، وعلى رأسهم الهرم بن سنان والحارث بن عوف اللذان تحمّلا من أموالهما ديات القتلى، فكانا نموذجاً للمسؤولية والشجاعة في مواجهة الأزمة وصناعة السلام.

وإذا كان المقصود بالشجاعة اليوم هو الجرأة على اتخاذ قرارات مصيرية تتجاوز إدارة الضغوط اليومية إلى بناء رؤية وطنية بعيدة المدى، فإن الأردن يمتلك من المقومات ما يؤهله لذلك، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات متراكمة تجعل الانتقال من مرحلة «إدارة الأزمات» إلى مرحلة «صناعة المستقبل» أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى.

نحو تغيير آليات معالجة الأزمات؛ إن قراءة الواقع الأردني تكشف عن جملة من القضايا المحلية التي تحتاج إلى قرارات حاسمة تعالج مظاهر التسيب والاستهتار التي تراكمت في بعض مؤسسات الدولة. فليس هناك مواطن يقبل أن تضعف الدولة أو تتراجع مؤسساتها أو تتعرض للانهيار تحت ذرائع لا يمكن تبريرها، خاصة في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتحديات متسارعة تفرض على الجميع قدراً أعلى من المسؤولية والوعي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقييم أداء المؤسسات العامة وفق أسس علمية ومنهجية واضحة، بعيداً عن الحلول المؤقتة وردود الأفعال السريعة. فالحكومة اليوم أمام ملفات متشابكة تتطلب مراجعة مستمرة، من بينها ظاهرة الاستقواء على القانون، وتراجع المنظومة الأخلاقية التي تضبط العلاقات بين الناس، والتحديات الاقتصادية وما تفرزه من فقر وبطالة، إضافة إلى أزمات التعليم والتعليم العالي، وما يواجهه القطاع الصحي من ضغوط، فضلاً عن الاختناقات المرورية اليومية التي أصبحت جزءاً من معاناة المواطنين.

وفي ظل هذه التحديات تتصاعد تساؤلات الناس حول المسؤولية والقدرة على المعالجة، وتزداد الحاجة إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالعلاقة الحديثة بين الدولة ومواطنيها لم تعد تقوم على مفاهيم الطاعة والتبعية التقليدية، بل على الشراكة وتحمل المسؤولية المشتركة. ومن هنا تبرز أهمية التربية في تشكيل وعي الفرد بدوره تجاه الدولة والمجتمع، وفي ترسيخ قيم المواطنة والإنتاج والانتماء الحقيقي.

كما يفرض الواقع مراجعة جدية للمنظومة التربوية والثقافية بما ينسجم مع خصوصية المجتمع الأردني وقيمه المستمدة من تعاليم الإسلام السمحة التي أرست مبادئ العدالة والتسامح والتكافل. فليس من المجدي استيراد نظريات وأفكار لا تنسجم مع البيئة الاجتماعية والثقافية المحلية، أو لا تعالج جذور المشكلات المرتبطة بالعصبية والولاءات الضيقة والواسطة والمحاصصة.

إن تغيير وعي الأفراد بعلاقتهم بالدولة أصبح ضرورة وطنية ملحة، بحيث تنتقل هذه العلاقة من الاتكالية إلى المشاركة الفاعلة وتحمل المسؤولية. وهذا يتطلب جهداً تربوياً وثقافياً واسعاً يرسخ قيم العمل والإنتاج والانضباط واحترام الوقت والصدق والعقلانية، ويعزز التحرر من الممارسات التي تعيق التقدم والتنمية.

وفي المقابل، فإن الدولة مطالبة بتعزيز العدالة والمساواة بين المواطنين، وتحسين مستوى الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، ورفع جودة الحياة، وتوسيع فرص التنمية، وربط النمو السكاني بمستويات المعيشة والتوعية المجتمعية. فعندما يشعر المواطن بأن حقوقه مصانة وأن الفرص متاحة للجميع، يصبح أكثر استعداداً للقيام بواجباته تجاه وطنه ومجتمعه.

من إدارة الأزمة إلى استباقها؛ لقد أثبتت التجارب أن الأزمات المعاصرة لا يمكن التعامل معها بالأساليب التقليدية، بل تحتاج إلى آليات حديثة تقوم على الاستباق والتخطيط والوقاية. فالإدارة الناجحة للأزمات لا تقتصر على معالجة آثارها بعد وقوعها، وإنما تبدأ بالكشف المبكر عن مؤشرات الخطر والاستعداد لها قبل أن تتفاقم.

ومن هنا تبرز أهمية إنشاء هيئات استشارية متخصصة في مختلف القطاعات، تتولى رصد التحديات وتحليل المؤشرات وتشخيص مواطن الخلل، وتقديم الرؤى والحلول قبل تحول المشكلات إلى أزمات. كما أن جلسات العصف الذهني التي تضم أصحاب الخبرة والكفاءة من مختلف التخصصات والأطياف الفكرية يمكن أن تسهم في بناء رؤية أكثر شمولاً وواقعية لمعالجة القضايا الوطنية.

إن مثل هذه الهيئات ليست ترفاً فكرياً، بل خياراً استراتيجياً يرسخ ثقافة المبادأة والابتكار، ويعزز القدرة المؤسسية على التنبؤ والوقاية. كما أنها تسهم في بناء استراتيجيات جديدة تستند إلى المعرفة والخبرة، بعيداً عن الوصفات الجاهزة والحلول المؤقتة التي تعيد إنتاج الأزمات نفسها.

والأردن يمتلك ثروة بشرية كبيرة من الأكاديميين والخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات، وهي طاقات ينبغي استثمارها بصورة مؤسسية منظمة لتكون شريكاً فاعلاً في صناعة القرار ورسم السياسات العامة.

لقد عمل الأردن لعقود طويلة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، فرضت عليه تطوير قدرة عالية على التكيف وإدارة الأزمات. غير أن المهارة التي تنجح في احتواء الأزمات ليست بالضرورة ذاتها التي تصنع التحولات الكبرى وتقود إلى التنمية المستدامة.

إن صناعة المستقبل تتطلب الانتقال من التفكير قصير المدى إلى التخطيط لعقود قادمة، والاستثمار المكثف في التعليم النوعي والتكنولوجيا والبحث العلمي، وتمكين القطاع الخاص وريادة الأعمال، وتعزيز ثقافة الابتكار والمبادرة، وبناء مؤسسات قوية قادرة على الاستمرار في تنفيذ السياسات والاستراتيجيات بغض النظر عن تغير الحكومات والظروف.

والسؤال الحقيقي: هل نمتلك الشجاعة؟ وهل نمتلك الإرادة الجماعية لتحمل كلفة التغيير؟

فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات، وإنما بقرارات قد تكون صعبة في المدى القريب، غير أنها ضرورية لتحقيق نتائج مستدامة على المدى البعيد. وهنا تتجلى الشجاعة السياسية والمجتمعية معاً.

ورغم حجم التحديات، فإن هناك مؤشرات إيجابية تدعو إلى التفاؤل؛ فالأردن يمتلك طاقة شبابية كبيرة، ومستويات تعليم مرتفعة نسبياً، وتجارب ناجحة لرياديين أردنيين حققوا حضوراً إقليمياً وعالمياً، إضافة إلى تقدم ملحوظ في القطاعات الرقمية والتكنولوجية. وهذه المقومات يمكن أن تشكل أساساً لمشروع وطني طموح إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية استراتيجية متكاملة. لقد أثبت الأردن قدرته على الصمود والنجاة من الأزمات، أما التحدي الأكبر اليوم فهو الانتقال من ثقافة النجاة إلى ثقافة الريادة، ومن التفكير في كيفية تجاوز الأزمة المقبلة إلى التفكير في شكل الأردن الذي نريده في الأعوام القادمة.إن هذا التحول يحتاج إلى شجاعة الحكومة وشجاعة مجتمع بأكمله يؤمن بالمستقبل، ويستعد لصناعته، ويتجاوز أزمات الحاضر نحو بناء الغد الذي يستحقه الوطن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :