facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن في عيد الجلوس .. عقل الدولة ورهان التحديث


فيصل تايه
09-06-2026 08:54 AM

في هذا اليوم التاسع من حزيران، تقف الدولة الأردنية عند محطة مهمة من تاريخها ، اذ تستحضر لحظة تأسيس ممتدة في الزمن السياسي الحديث؛ لحظة ارتبط فيها تطور المملكة الأردنية الهاشمية بمسار إعادة بناء متدرج لوعي الدولة ووظيفتها ومكانتها. فمنذ اعتلاء جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية عام ١٩٩٩، انطلق الأردن في مسار طويل من التحديث المتواصل في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب والتحول، وتتجدد هذه المناسبة الوطنية والأردن يرسخ خطواته الواثقة في مسيرة البناء والتحديث، مستنداً إلى إرث صلب وجامع شكله اليوبيل الفضي للمسيرة الملكية الحافلة.

لقد دخل الأردن، في ظل هذا العهد، مرحلة إدارة الدولة بوصفها مشروعاً حياً لا يُقاس بالإنجازات الآنية فقط، بل بقدرته على التكيف المستمر مع التحولات، وإعادة إنتاج توازنه الداخلي دون التفريط بثوابته. ومن هنا يتجلى جوهر النهج الهاشمي في الحكم: دولة تُصان فيها المؤسسات، ويُحفظ فيها الاستقرار كقيمة استراتيجية، ويُدار فيها التغيير باعتباره ضرورة وطنية لا خيارًا، بما يضمن عبور الدولة نحو مئويتها الثانية بثبات وموثوقية.

وعلى امتداد هذا المسار، واجه الأردن موجات متلاحقة من التحولات الإقليمية العميقة؛ من تفكك محيطه الجغرافي في أكثر من اتجاه، إلى الأزمات الاقتصادية العالمية، وصولاً إلى التغيرات البنيوية في النظام الدولي. ومع ذلك، ظلّ ثابتاً في معادلة دقيقة: دولة لا تنكفئ على ذاتها، ولا تنخرط في الفوضى، بل تدير التحديات بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة، وبمنطق التوازن الاستراتيجي لا الارتجال السياسي.

وفي السياق الإقليمي الراهن، حيث تتسع دوائر عدم اليقين السياسي والأمني، يبرز الأردن كحالة استقرار واعٍ؛ بوصفه فاعلاً عقلانياً ومحورياً وصاحبَ دورٍ مؤثر في بيئة مضطربة. فقد حافظ على مناعته الداخلية، وعلى تماسك مؤسساته، وعلى حضوره السياسي المتزن، الذي يجمع بين وضوح الموقف وهدوء الأداء، وبين الثبات على المبادئ والقدرة العالية على إدارة التعقيد.

وفي قلب هذا المسار، بقيت القضية الفلسطينية ثابتاً استراتيجياً في الوجدان والسياسة الأردنية، باعتبارها قضية حقوق وهوية ومصير، لا ملفاً تفاوضياً عابراً ، وقد واصل الأردن، بقيادة جلالة الملك، الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، إلى جانب التمسك بالدور التاريخي للوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، بوصفه التزاماً سياسياً وأخلاقياً راسخاً لا يقبل المساومة.

داخلياً، تجسد الفكر الملكي في مشروع التحديث الشامل، الذي لم يعد مجرد عناوين عامة، بل تحول إلى مسارات تنفيذية متكاملة تتمثل في: التحديث السياسي الهادف إلى توسيع المشاركة الحزبية والبرامجية، ورؤية التحديث الاقتصادي كمحرك للنمو وجذب الاستثمار، وخارطة طريق تحديث القطاع العام. وهو تحديث لا يقوم على القطيعة مع الماضي، بل على تطويره، ولا على القفزات المفاجئة، بل على التراكم المؤسسي الهادئ الذي يعزز الاستدامة ويمنع هشاشة التحول.

وهنا، تبرز أهمية الانتقال الفعلي من منطق الإدارة التقليدية إلى منطق الإدارة الحديثة القائمة على الكفاءة والإنجاز، بما يضمن ترجمة الرؤية الملكية إلى أثر ملموس في التعليم والاقتصاد والخدمات العامة، ويضع المواطن في قلب العملية التنموية بوصفه شريكاً وغاية في آن واحد.

إن سيادة القانون، وتجفيف مظاهر الترهل الإداري، وتعزيز العدالة وتكافؤ الفرص، لم تعد شعارات خطابية، بل أصبحت ركائز بنيوية في بناء الدولة الحديثة، باعتبارها الضامن الحقيقي للاستقرار الاجتماعي والسياسي، وأساس الثقة بين الدولة ومجتمعها.

إن عيد الجلوس الملكي، في جوهره، ليس استدعاءً لذكرى، بل قراءة متجددة في مسار دولة ما زالت تعيد تعريف أدواتها وتحديث بنيتها لتواكب زمنها. وهو مناسبة لإدراك أن استمرارية الدولة الأردنية ليست نتاج ظرف تاريخي، بل حصيلة مشروع سياسي واعٍ، يوازن بين الثابت والمتغير، وبين الأصالة والتحديث، وبين الداخل والإقليم.

وفي عالم تتسارع فيه التحولات وتتغير فيه موازين القوى، يبقى الأردن، بقيادته الهاشمية، نموذجاً لدولة تدرك حدودها وإمكاناتها، وتدير موقعها الجيوسياسي بدقة، وتستند إلى رؤية طويلة المدى تجعل من الاستقرار قاعدة للتنمية، ومن التحديث مسارًا دائماً لا مرحلة مؤقتة.

وفي عيد الجلوس الملكي، يجدد الأردنيون ثقتهم بمسيرة الدولة وقدرتها على مواصلة البناء والتحديث، مستندين إلى إرث من الإنجاز ورؤية تستشرف المستقبل بثقة واقتدار.

حفظ الله الأردن، وأدام عليه أمنه واستقراره، وجعل مسيرته الهاشمية في التحديث والبناء مسارًا ممتدًا نحو مزيد من القوة والرسوخ والازدهار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :