حين يجلس الملك على العرش .. ينهض وطن
بهاء الشنتير
09-06-2026 10:07 AM
ليس التاسع من حزيران تاريخًا يُعلَّق على جدار الذاكرة، بل هو يومٌ يتجدد فيه نبضه الأردن، وتستحضر فيه الأرض حكاية العرش الهاشمي الذي سار مع الوطن خطوةً بخطوة، حتى غدا الأردن واحةً من الثبات في بحرٍ متلاطم الأمواج، ومنارةً من الحكمة في زمنٍ ازدحمت فيه العواصف.
في الذكرى السابعة والعشرين لجلوس جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين على العرش، لا تُحصى السنوات بالأرقام، بل تُقاس بما أُنبت فيها من إنجاز، وما شُيّد فيها من مؤسسات، وما ترسخ فيها من قيم الدولة الحديثة التي حملت الأردن من مرحلة إلى أخرى بثقة الفرسان وحكمة القادة.
فالأردن لم يكن يومًا دولةً صنعتها المصادفات، بل وطنًا خطَّ الهاشميون ملامحه على صفحات التاريخ بحبر التضحية والعطاء. فمنذ أن صدح الشريف الحسين بن علي بنداء الثورة العربية الكبرى، انطلقت رسالةٌ عنوانها الحرية والكرامة والوحدة، لتصل إلى أرض الأردن التي احتضنت المشروع الهاشمي، فكان الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين يزرع البذرة الأولى للدولة، وجاء الملك طلال ليمنحها دستورًا يحميها، ثم الملك الحسين بن طلال ليجعل منها شجرةً وارفةً تضرب جذورها في الأرض وتعانق أغصانها السماء.
وحين تسلّم جلالة الملك عبدالله الثاني الراية، لم تكن الراية قطعة قماش ترفرف فوق الساريات، بل أمانة وطن، وحلم شعب، وإرث أمة. فمضى بها إلى المستقبل، يفتح للأردن نوافذ الضوء، ويبني له جسور العبور نحو القرن الجديد.
سبعة وعشرون عامًا، والأردن يشبه فارسًا عربيًا أصيلًا يمتطي صهوة التحديات ولا ينكسر، كلما اشتدت الرياح حوله ازداد رسوخًا، وكلما تعاظمت الأزمات من حوله ازداد يقينًا بطريقه. ففي الوقت الذي تهاوت فيه دول تحت وطأة الصراعات، بقي الأردن واقفًا كقلعةٍ من حجارة الكرامة، تحرسها حكمة القيادة، ويصونها وعي الشعب، وتحميها سواعد الجيش العربي وأجهزتنا الأمنية الباسلة.
وفي كل بقعة من تراب الوطن، تركت الرؤية الملكية أثرها؛ مدرسةً تضيء العقول، ومستشفى يداوي الآلام، وطريقًا يصل بين الأحلام والفرص، ومشروعًا يمنح الأمل لشابٍ أراد أن يصنع مستقبله بيديه. حتى غدت التنمية لغةً تتحدث بها المحافظات، وأصبح الإنجاز عنوانًا لمسيرة لا تعرف التوقف.
أما الجيش العربي، فهو السيف الذي لا يصدأ، والدرع الذي لا ينثني، وحارس الحلم الأردني منذ فجر الدولة وحتى اليوم. جيشٌ كتب تاريخه بمداد البطولة، وسقى ثرى الوطن بدماء الشهداء، فبقيت راية الأردن مرفوعةً لا تنحني إلا لله.
وعلى امتداد هذه المسيرة، بقيت فلسطين حاضرةً في قلب الأردن كما النبض في القلب، وظلت القدس أمانةً في أعناق الهاشميين، يحملونها جيلاً بعد جيل، لا تبدلها الظروف ولا تساوم عليها المتغيرات. فكانت الوصاية الهاشمية عهدًا من التاريخ ومسؤوليةً من العقيدة ورسالةً من الشرف.
وفي مشهد الدولة وهي تعبر نحو المستقبل، يبرز سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، بوصفه غصنًا جديدًا في شجرة الهاشميين المباركة، يحمل من جذورها الأصالة ومن آفاق المستقبل الطموح. فهو صورة الجيل الأردني الذي يؤمن بأن الوطن يُبنى بالعلم والعمل، وأن القيادة الحقيقية تبدأ من الميدان وبين الناس. ولذلك أصبح حضوره بين الشباب رسالة أمل، وصوته امتدادًا لصوت وطنٍ يستعد لقرنه الثاني بثقة واقتدار.
وفي عيد الجلوس الملكي السابع والعشرين، يبدو الأردن وكأنه قصيدةٌ هاشمية كُتبت أبياتها من المجد، وسُقيت معانيها من الوفاء، وحُفظت قافيتها باسم الوطن. وطنٌ كلما مرَّ عليه الزمن ازداد شبابًا، وكلما واجه التحديات ازداد قوة، وكلما تعالت حوله الضوضاء ازداد إيمانًا برسالته.
إنها حكاية عرشٍ لم يكن يومًا سلطةً فحسب، بل كان مظلةً للأردنيين جميعًا، وحكاية شعبٍ لم يكن يومًا مجرد سكان أرض، بل كان شركاء في صناعة المجد. وبين العرش والشعب، ظل الأردن يمضي كما أراده الهاشميون دائمًا: رايةً لا تنكس، وقصةً لا تنتهي، ووطنًا إذا ذُكر المجد كان اسمه في مقدمة السطور.