الألم الصامت في المجتمع الأردني
د. أميرة يوسف ظاهر
09-06-2026 10:28 AM
ليست المجتمعات بخير حين يصبح الموت خبرا عاديا.
في السنوات الأخيرة لم تعد أخبار القتل أو الانتحار أو العنف الأسري في الأردن تثير الدهشة ذاتها التي كانت تثيرها سابقا. ثمة اعتياد مقلق يتسلل إلى وعينا الجمعي، وكأن المجتمع بدأ يتكيف مع مشاهد كان يعدها يوما استثنائية وصادمة، غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في عدد الحوادث أو تكرارها فحسب، بل في الرسائل العميقة التي تحملها هذه الوقائع، وفي ما تكشفه عن تحولات صامتة تجري تحت سطح الحياة اليومية.
ربما نخطئ حين نتعامل مع كل حادثة باعتبارها قصة منفصلة أو حالة فردية معزولة. فما يبدو أحداثاً متفرقة قد يكون في حقيقته تعبيرات مختلفة عن أزمة واحدة: أزمة مجتمع تتراجع فيه القدرة على احتواء الألم الإنساني قبل أن يتحول إلى مأساة.
فالقتل ليس دائما نتاج شر مطلق، والانتحار ليس بالضرورة قرارا لحظيا، والعنف الأسري لا يولد فجأة داخل جدران المنازل. في كثير من الأحيان تكون هذه النهايات القاسية آخر حلقات سلسلة طويلة من الصمت والخذلان والاحتقان؛ إنها لحظات ينفجر فيها ما عجز الإنسان عن التعبير عنه بالكلمات أو احتوائه عبر العلاقات الطبيعية والداعمة.
لقد شهد المجتمع الأردني خلال العقود الأخيرة تحولات متسارعة مست جوانب الحياة كافة، إذ تغيرت أنماط العيش، وتبدلت طبيعة العلاقات الاجتماعية، وتراجعت بعض المساحات التي كان الفرد يجد فيها من يصغي إليه دون أحكام أو تصنيفات. وبينما ازدادت وسائل الاتصال، تراجعت في أحيان كثيرة فرص التواصل الإنساني العميق. أصبح الإنسان أكثر اتصالا بالعالم، لكنه ليس بالضرورة أكثر قربا ممن يعيشون حوله.
ولعل ما يزيد المشهد تعقيدا أن المجتمع الأردني يعيش اليوم بين زمنين متوازيين؛ زمن تشكلت فيه القيم على إيقاع التدرج والصبر والكتمان، وزمن آخر تفرضه التكنولوجيا بسرعة هائلة، حيث المقارنة المستمرة وضغط التوقعات وتبدل المعايير. وبين هذين الزمنين يقف الإنسان احيانا في منطقة رمادية، لا هو قادر على الانسجام الكامل مع ما ورثه، ولا على التكيف التام مع ما يفرضه الواقع الجديد، وفي الوقت ذاته تحولت جدران كثير من المنازل من حدود للحماية إلى مساحات للعزل؛ تخفي خلفها ألما لا يقال، وتوترا لا يرى، حتى يأتي يوم لا يعود فيه الصمت قادرا على حمل ما تراكم خلفه.
المشكلة ليست في الضغوط الاقتصادية وحدها رغم ثقلها، وليست في التحولات الثقافية وحدها رغم عمق أثرها. فالمجتمعات تستطيع التعايش مع الأزمات حين تمتلك شبكات احتواء فعالة، لكن ما نواجهه اليوم يتعلق بتآكل بعض المساحات الوسيطة التي كانت تمتص التوتر قبل أن يتحول إلى أزمة؛ فالعائلة الممتدة والجيرة والمجالس الاجتماعية والعلاقات الإنسانية القريبة، كانت تؤدي دورا غير معلن في تخفيف الأعباء النفسية وإعادة التوازن للأفراد. ومع تراجع كثير من هذه الأدوار، أصبح الإنسان أكثر وحدة في مواجهة مخاوفه وإحباطاته.
ومن المفارقات أن مجتمعنا الذي يتقن الحديث عن القوة والصبر والقدرة على التحمل، لا يزال متحفظا في الحديث عن الهشاشة الإنسانية، وما زال كثيرون يشعرون أن الاعتراف بالألم ضعف، وأن طلب المساعدة انتقاص من المكانة أو الكرامة، وأن الصمت أكثر أمنا من البوح. غير أن الألم الذي لا يجد لغة مناسبة للتعبير عن نفسه لا يختفي، بل يبحث عن مخارج أخرى، بعضها قد يكون أكثر قسوة وخطورة.
بعض هذا الألم يتحول إلى عنف ضد الآخرين، وبعضه يتحول إلى عنف ضد الذات، وبعضه يبقى كامنا سنوات طويلة قبل أن يظهر في صورة أزمة أسرية أو انهيار نفسي أو سلوك مدمر، ولهذا فإن النظر إلى هذه الظواهر من زاوية قانونية أو أمنية فقط، على أهميتها، لا يكفي لفهم جذورها العميقة.
ولعل أخطر ما نواجهه اليوم ليس تصاعد بعض هذه الظواهر فحسب، بل تراجع حساسيتنا تجاهها، فحين تتحول المأساة إلى خبر عابر، يفقد المجتمع جزءا من مناعته الإنسانية، وحين نكتفي بإدانة الفاعلين أو التعاطف المؤقت مع الضحايا، فإننا نعالج النتائج ونترك الأسباب تتراكم في العمق.
إن المجتمعات لا تقاس فقط بمستوى دخلها أو بنيتها التحتية أو مؤسساتها، بل أيضا بقدرتها على الإصغاء إلى أوجاع أفرادها قبل أن تتحول إلى كوارث، وربما لا نحتاج إلى حلول معقدة بقدر حاجتنا إلى إعادة بناء مساحات إنسانية يشعر فيها الفرد أنه مرئي ومسموع ومفهوم. مساحات تسمح بالحوار قبل الخصام، وبالاحتواء قبل الانفجار، وبالإنصات قبل إصدار الأحكام.
ربما لا يكون السؤال الأكثر إلحاحا اليوم: لماذا ازدادت هذه الظواهر؟ بل كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها كثير من الألم غير مرئي؟
فالقصص التي تنتهي بجريمة أو انتحار لا تبدأ في اللحظة الأخيرة، بل تبدأ غالبا في أماكن لا يراها أحد؛ في صمت طويل، وخيبة متراكمة، ونداء استغاثة لم يجده من يسمعه.
وحين يفقد الألم لغته يتكلم بوسائل أكثر قسوة.