إيران وإسرائيل تخوضان جولة جديدة من الحرب
سمير حمدان - بودابست
09-06-2026 10:47 AM
* تركيا تستعد لوراثة شرق أوسط ما بعد الردع
في السياسة الدولية لا تكون أهم نتائج الحروب هي تلك التي تظهر على شاشات التلفزيون، بل تلك التي تتشكل بعيداً عن ساحات القتال، ومن هذه الزاوية قد يكتشف الشرق الأوسط بعد سنوات أن الحدث التاريخي لم يكن حجم الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، بل الحقيقة التي كشفتها تلك الضربات، وهي أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة انتهى فيها عصر الردع بوصفه الأداة الرئيسية لتنظيم التوازنات، وبدأ عصر مختلف يقوم على المنافسة على استثمار نتائج الصراع أكثر من خوضه، فالحروب الكبرى لا تنتج المنتصرين فقط، بل تنتج أيضاً بيئات جديدة يستفيد منها لاعبون لم يكونوا في قلب المعركة .
طوال عقود قامت المعادلة الإقليمية على ركيزتين واضحتين، إسرائيل تمتلك التفوق العسكري والتكنولوجي وتحتكر إلى حد كبير حق المبادرة، وإيران تمتلك القدرة على توسيع النفوذ عبر شبكة واسعة من الحلفاء والأدوات الإقليمية، وبين هذين القطبين تشكلت معظم أزمات المنطقة وتحالفاتها، لكن الانتقال إلى مرحلة الضربات المباشرة كشف أن الطرفين وصلا إلى وضع يستطيع كل منهما فيه إلحاق الضرر بالآخر، من دون أن يتمكن أي منهما من فرض نظام إقليمي جديد بمفرده، وهنا تبدأ أهمية التحول الجاري، لأن تراجع القدرة على الحسم يفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ أكثر مما يفتح الباب أمام إنهاء الصراع .
هذا ليس تحولاً عسكرياً فقط، بل تغيير في تعريف القوة نفسه، فحين تصبح كلفة المواجهة مرتفعة على الجميع، يتراجع وزن الانتصار العسكري التقليدي، وتزداد أهمية القدرة على إدارة الاقتصاد وجذب الاستثمارات والتحكم بالممرات التجارية والطاقة والتكنولوجيا، وعند هذه النقطة يبدأ لاعب آخر بالظهور، ليس لأنه الأقوى عسكرياً، بل لأنه الأقل استنزافاً والأكثر قدرة على تحويل التحولات إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد .
هنا تبرز تركيا، فبحسب التقديرات الدولية تجاوز الاقتصاد التركي حاجز التريليون دولار، بينما أصبحت الصناعات الدفاعية التركية من أسرع القطاعات نمواً في العالم، لكن أهمية تركيا لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في موقعها داخل الخريطة الجديدة، فهي عضو في حلف الناتو، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع روسيا والصين، وتمتلك روابط اقتصادية متنامية مع الخليج العربي، وتقع عند نقطة التقاء أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وهذه الميزة تجعلها الدولة الإقليمية الأكثر قدرة على الربط بين أسواق ورؤوس أموال وممرات استراتيجية متعددة .
وتزداد أهمية هذا الموقع عندما ننظر إلى البيئة المحيطة بها، فالسعودية تمتلك واحداً من أكبر مخزونات رأس المال الاستثماري في العالم عبر صناديقها السيادية، وتسعى إلى إعادة تشكيل اقتصادها ودورها الدولي، ومصر تمثل عقدة التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، إضافة إلى ثقلها السكاني والسياسي، أما باكستان فتوفر عمقاً بشرياً وعسكرياً ونووياً يصعب تجاهله، وإذا تطورت العلاقات بين هذه القوى ضمن شبكة مصالح طويلة الأمد، فقد تشهد المنطقة ولادة كتلة جيوسياسية جديدة تقوم على التكامل الاقتصادي والاستثماري أكثر مما تقوم على الصراع الأيديولوجي أو المواجهة العسكرية المباشرة .
في المقابل يواجه المحور الذي يضم إيران وروسيا والصين تحديات متزايدة، فروسيا ما زالت تتحمل أعباء صراع طويل في أوكرانيا، والصين تركز على حماية النمو الاقتصادي وتوسيع نفوذها التجاري، بينما تواجه إيران معادلة صعبة تجمع بين المحافظة على نفوذها الخارجي وتلبية احتياجاتها الداخلية، وهذا لا يعني تراجع هذا المحور أو فقدانه التأثير، لكنه يعني أن قدرة أطرافه على صياغة النظام الإقليمي المقبل قد تصبح أكثر محدودية من السابق .
الفكرة الأعمق أن الشرق الأوسط قد لا يكون أمام حرب تعيد رسم الخرائط بقدر ما هو أمام تحول يعيد تعريف معنى القوة، فالمؤشرات الصادرة عن المؤسسات الاقتصادية والاستراتيجية الدولية تتفق على أن النفوذ في العقود المقبلة سيتحدد بالقدرة على التحكم بالممرات التجارية والطاقة والتكنولوجيا ورؤوس الأموال أكثر من اعتماده على التفوق العسكري المباشر، والدول التي ستقود المرحلة المقبلة لن تكون تلك القادرة على إطلاق أكبر عدد من الصواريخ، بل تلك القادرة على بناء أكبر عدد من الروابط الاقتصادية والاستراتيجية .
ومن هنا قد يكتشف الجميع مستقبلاً أن الحدث التاريخي لم يكن أن إيران ضربت إسرائيل أو أن إسرائيل ردت على إيران، بل أن هذه المواجهة كشفت نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الشرق الأوسط، مرحلة كانت القوة فيها تقاس بالقدرة على إدارة الصراع، وبداية مرحلة جديدة تقاس فيها بالقدرة على بناء الشبكات والتحالفات وتحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى نفوذ، وعندها قد لا يكون الرابح الحقيقي هو الطرف الذي أطلق الصاروخ الأخير، بل الطرف الذي فهم أولاً أن مستقبل المنطقة سيُصنع بعد الحرب لا خلالها .