facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دونالد ترامب .. بين الفوضى المحسوبة والاندفاع الغريزي


د. عبدالحفيظ العجلوني
09-06-2026 12:19 PM

منذ دخوله الحياة السياسية الأمريكية، ظل دونالد ترامب ظاهرة استثنائية يصعب تفسيرها بالأدوات التقليدية التي اعتاد المحللون من خلالها قراءة سلوك القادة ورجال الدولة. فالرجل الذي انتقل إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة بعد مسيرة طويلة في عالم المال والعقارات وتلفزيون الواقع، لم يحمل معه مشروعاً أيديولوجياً متكاملاً بالمعنى التقليدي، بقدر ما حمل أسلوباً مختلفاً في إدارة الصراع وصناعة القرار والتفاوض. ولهذا انقسمت الآراء حوله بين من يراه مفاوضاً براغماتياً يوظف التصريحات الصادمة كأدوات ضغط مدروسة، ومن يعتبره نموذجاً لشخصية شعبوية يغلب عليها الاندفاع والثقة المفرطة بالنفس.

ولفهم هذه الظاهرة لا يكفي التوقف عند تصريح عابر أو موقف صدامي، بل لا بد من العودة إلى الجذور المهنية والبيئة التنافسية التي صاغت وعي ترامب قبل انتقاله إلى واشنطن.

من مدرسة العقارات إلى الجغرافيا السياسية

نشأ ترامب في كنف والده فريد ترامب، المطور العقاري المعروف بصرامته في سوق نيويورك شديد التنافسية. في ذلك العالم، لا تقوم الصفقات على الأرقام والوقائع الصلبة وحدها، بل تعتمد بدرجة كبيرة على القدرة على التحكم في السردية، وصناعة الانطباع، وتوجيه تصور الطرف الآخر لموقعه التفاوضي. ومن هذه البيئة تشكلت لديه قناعة مبكرة بأن إدارة التصورات لا تقل أهمية عن إدارة الحقائق نفسها.

وقد انعكس هذا التصور في فلسفته التي عرضها في كتابه الشهير “فن الصفقة”، حيث تقوم استراتيجيته على رفع سقف المطالب إلى مستويات قصوى، وإرباك الطرف المقابل عبر خلق حالة من عدم اليقين، ثم استخدام الضغوط الإعلامية والسياسية لتحسين شروط التسوية. ومن يراجع مسيرته السياسية يلاحظ أن ترامب لم يتخلَّ عن أدوات رجل الأعمال، بل نقل جزءاً كبيراً منها إلى ميدان السياسة والعلاقات الدولية.

فالتصريحات الصادمة والمواقف الحادة لا تبدو في كثير من الأحيان التزامات نهائية، بقدر ما تبدو جزءاً من عملية تفاوضية تهدف إلى إعادة تشكيل أرضية النقاش. فعندما يرفع سقف مطالبه إلى حدود غير متوقعة، فإنه يسعى غالباً إلى دفع الأطراف الأخرى إلى إعادة حساباتها وتقديم تنازلات قبل الوصول إلى التسوية النهائية.

وقد ظهر هذا النهج بوضوح في ملفات متعددة خلال فترة رئاسته الأولى (2017–2021)، سواء في علاقاته مع الحلفاء داخل حلف شمال الأطلسي، أو في تعامله مع الصين، أو في مقاربته لملفات الشرق الأوسط وكوريا الشمالية. وفي كل هذه السياقات، اعتمد على عنصر المفاجأة والغموض الاستراتيجي باعتباره أداة ضغط تفاوضية.

الشعبوية بوصفها أداة سياسية

لكن تجربة ترامب لا تختزل في أدوات التفاوض وحدها. فقد أدرك مبكراً حجم الفجوة المتزايدة خلال العقود الأخيرة بين قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي وبين النخب السياسية والاقتصادية التقليدية.

لقد التقط ترامب بذكاء تسويقي فذ حجم الفجوة الجسيمة بين النخب الحاكمة في واشنطن وبين ملايين الأمريكيين الذين شعروا بأن قطار العولمة والتحولات الثقافية قد تركهم خلفه، فحوّل هذا الشعور إلى رصيد سياسي مباشر في خطابه الانتخابي.

ومن هنا، تحولت مخالفته للأعراف السياسية السائدة خلال حملته الانتخابية ووصوله إلى الرئاسة من مجرد سلوك مثير للجدل إلى مصدر قوة لدى مؤيديه الذين رأوا فيه سياسياً مستعداً لمواجهة المؤسسة التقليدية وكسر بعض القواعد الراسخة في واشنطن. وقد ساعده هذا الخطاب في بناء قاعدة سياسية واسعة تجاوزت شخصه لتتحول إلى تيار مؤثر داخل الحزب الجمهوري.

بين الإنجازات والتكاليف

لا يمكن فهم أي تجربة سياسية من خلال الأسلوب وحده، بل من خلال النتائج التي تنتج عنه. ومن هذه الزاوية، شهدت الولايات المتحدة خلال سنوات رئاسة ترامب (2017–2021) أداءً اقتصادياً إيجابياً نسبياً، مع تحسن في معدلات التوظيف ونمو في الأسواق المالية قبل جائحة كورونا. كما اتجهت إدارته إلى إعادة فتح ملفات تجارية كانت مستقرة لعقود، خصوصاً في العلاقة مع الصين، وإعادة النظر في بعض الترتيبات الاقتصادية الدولية.

وعلى الصعيد الخارجي، تبنت إدارته سياسة الضغط الأقصى تجاه إيران، كما رعت اتفاقيات أبراهام التي أسهمت في إعادة تشكيل جزء مهم من المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط.

ومن اللافت أن الظاهرة الترامبية أظهرت قدرة عالية على الاستمرار رغم الأزمات السياسية والقضائية والإعلامية التي أعقبت خروجه من السلطة عام 2021، وصولاً إلى عودته لاحقاً إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، ما يشير إلى أن هذه الظاهرة تجاوزت حدود الشخص لتصبح تعبيراً عن تيار سياسي واجتماعي أعمق داخل المجتمع الأمريكي.

في المقابل، لا يمكن إغفال التكاليف السياسية والمؤسسية لهذا النهج. فقد ساهم الخطاب الحاد في تعميق الاستقطاب داخل المجتمع الأمريكي، وأثار جدلاً واسعاً حول الثقة بالمؤسسات السياسية والإعلامية. كما أن الاعتماد المتكرر على عنصر المفاجأة والغموض في إدارة السياسة الخارجية دفع بعض الحلفاء إلى إعادة تقييم مستوى الثقة والاستقرار في العلاقة مع واشنطن.

الفوضى كأداة تفاوضية

في المحصلة، تقود القراءة المتوازنة لتجربة ترامب إلى نتيجة وسطية بين التبجيل والرفض. فالرجل ليس استراتيجياً يمتلك تصوراً كاملاً لكل النتائج المستقبلية، كما أنه ليس مجرد شخصية مندفعه تتحرك بلا حساب. بل هو نموذج لقائد براغماتي نقل أدوات التفاوض التجاري إلى المجال السياسي، واستطاع توظيف الفوضى المنظمة في تحقيق مكاسب ملموسة في بعض الملفات.

وقد نجح ترامب، إلى حد كبير، في جعل صعوبة التنبؤ بخطواته المقبلة جزءاً من قوته التفاوضية والسياسية، من خلال إبقاء خصومه، وأحياناً حلفاءه، في حالة من الغموض بشأن نواياه وحدود مواقفه. وقد منحه ذلك هامشاً أوسع للمناورة وتعزيز أدوات الضغط في عدد من القضايا.

غير أن هذا النهج يظل محفوفاً بإشكالية بنيوية؛ إذ تميل استراتيجيته إلى اختبار حدود القيود المؤسسية والقواعد المستقرة كلما رآها مقيدة لهامش الحركة السياسي، في حين أن استقرار الدول الحديثة يعتمد بالأساس على قوة تلك القيود واستمرارها.

وبين هذين الاعتبارين، سيظل الجدل حول ترامب قائماً، ليس بوصفه مجرد رئيس أمريكي مثير للجدل، بل بوصفه ظاهرة سياسية أعادت فتح نقاش واسع حول طبيعة القيادة، وحدود الشعبوية، وأدوات القوة في السياسة المعاصرة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :