facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المرجعية الثَّقافيَّة التُّراثيَّة عند رمضان الرَّواشدة .. رواية "المهطوان" نموذجا


09-06-2026 01:47 PM

عمون - قراءة سالم الفقير - تأتي رواية المهطوان لرمضان الرواشدة من ضمن الأعمال الروائية التي تقع بين القصة القصيرة، والرواية؛ نظرا لحجمها الذي يزيد عن القصة ويقل عن الرواية المتعارف عليها، وهو ما عُرف باسم: نوفويلا ، أو الرواية القصيرة، حيث الرواية من القطع المتوسط، صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر_بيروت، للعام 2022م.

• قبل البدء، مدخل إلى المهطوان:

تتكئ الرواية على شخصية "عودة"، بطل الرواية، طالب الجامعة الأردنية، ابن الكرك، جنوب المملكة الأردنية الهاشمية، الذي أخذ لقب المهطوان؛ وجاءت التسمية "نظرا لطولي الفارع وضخامة جثتي، وتندرهم على مقاس رجلي الـ (48) حيث كنت ألف كل شوارع وسط البلد لأجد حذاء على مقاسي".(1) لتنشأ علاقة حب بينه وبين "سلمى" الفلسطينية المسيحية؛ لتشكل بذلك صراعا مصدره القلب، متعلق بالأنثى على وجه الخصوص، حيث المرأة الأم، والمرأة الحبيبة، وبالمكان الأرض صويلح _ الجامعة الأردنية، وقبل ذلك الجنوب/الكرك، كذلك فلسطين موطن الحبيبة، وقبلة الجنوب أيضا.

الرواية مسكونة بالمكان، والتراث، وميالة إلى السياسة، لكنها تجربة جاءت بحذر، ولربما هذا ما أراد أن يوصله الكاتب _ وهو المسكون بهذا الوطن _ أن الكفر بالأوطان عادة غير مستملحة.

في الرواية كان الرواشدة قريبا إلى الأرض، وكان بعيدا عنها أيضا، وتلك حالة حتما ستوجد كسرا في أفق التوقع عند قراءة العمل للمرة الأولى، وهذا هو منطلقنا في الحديث عن المرجعية الثقافية التراثية عند رمضان الرواشدة، رواية " المهطوان" نموذجا.

"أستاذي في المدرسة الثانوية في راكين قريتنا الكركية، عادل البريشي، كان أول من فتح آفاقي على الثقافة الوطنية بالكتب التي زودني بها بعد أن لاحظ نبوغي واهتمامي بالثقافة. كان يومها يود تنظيمي في الحزب، غير أنني خفت وأرجأت الأمر لما بعد تخرجي من الثانوية".(2)

* المرجعيات الثقافية:

من المعلوم لدى الكُتَّاب والنُّقاد والقُرَّاء أن الإبداع مقرون بالمعرفة الخلفية، فكلما زادت المعرفة الخلفية في العلوم والآداب والفنون وغيرها، لدى الكاتب أو المبدع؛ كانت المساحة الثقافية والأدبية أكثر اتساعا، ولا سيما عند ثنائي اللغة، فتعدد اللغات والثقافات تثري الكتابة والفنون على العموم، ولربما هذا ما يميز كاتب عن آخر. ورمضان الرواشدة واحد من الذين شكلت معرفتهم الخلفية منطلقا للكتابة والبحث والدرس، وقد ظهر ذلك من خلال إصدراته التي بدأت عام 1989م بانتفاضة وقصص أخرى، ثم الحمراوي عام 1995، حتى مجموعته القصصية "تلك الليلة" في ذات العام، ثم رواية أغنية الرعاة عام 1998، ورواية النهر لن يفصلني عنك عام 2006، حتى كان الجنوبي كعمل روائي عام 2019، مختتما المهطوان لهذا العام 2022، محط البحث والدَّرس، إضافة إلى حصول على بكالوريوس في الأدب الإنجليزي، عام 1988، ودبلوم في الكتابة الصحفية المتقدمة من معهد ثومبسون_كاردف_بريطانيا عام 2000م.

إنَّ المتتبع لواقع الدراسات الأدبية والنقدية يرى أن المتلقي الناقد يسبر غور الأعمال بقالب تقليدي يتكئ على المرجعية العربية وما تتضمنه من روافد دينية وأدبية وغيرها، والغربية وما تحمله بين جنباتها من أساطير ومناهج ومذاهب ومدارس نقدية غربية وغيرها.

وفي " المهطوان " يقف المتلقي عند ثلاث مرجعيات اتكأ عليها الرواشدة في سرديته الأخيرة، والتي تمثلت في: المرجعية التراثية، والمرجعية السياسية، والمرجعية الغربية، ولأن الرواشدة حبك التراث بالسياسة، سأخصص ورقتي للحديث حول المرجعية التراثية وارتباطها السياسي من وجهة نظر الكاتب.

* المرجعية التراثية:

لا بد قبل البدء من الإشارة إلى أننا استبعدنا الحديث عن المرجعية العربية المتعلقة باللغة، والأدب بشقيه الشعر والنثر، من هذا البحث؛ لأنها تشكل اللغة الأم للكاتب، والاتكاء عليها تحصيل حاصل، وضرورة مُلِحَّة. لكنَّ التراث هنا بدا علامة فارقة في تناول الرواشدة للمهطوان، والذي عمد من خلاله إلى الاستعانة بأدوات التراث لإيجاد منطقية في مستوى القص داخل الرواية.

الرواشدة يؤكد بصورة جلية اهتمامه بهذا الجانب، حيث اختار لعمله عنوان: المهطوان؛ ليكون انطلاقة تراثية شعبية لعمل سياسي، يرى من خلاله تجربة الشباب وانخراطهم في الفعل السياسي ولا سيما الأحزاب، في زمن كانت الناس تبحث فيه عن الخبز!! كانوا يبحثون عن السياسة. والمهطوان تندُّرٌ من المجتمعات القروية على الأشخاص بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حتى أنَّ هذا الأمر أصبح وجها آخر له، يعيِّرونه به:

"هاي رجل بني آدم اسمك السري ينطبق عليك تماما..صَدَق من سماك بهذا الاسم..هذه دونم..روح طوِّبها في دائرة الأراضي..." (3).

وفي موقع آخر من الرواية عمد رمضان الرواشدة إلى الاستعانة ببعض العادات والتقاليد من موروثنا الشعبي، من مثل " طاسة الرعبة " وهي عبارة عن وعاء نقش عليه آية الكرسي وأسماء الله الحسنى، تعبأ بالماء وتسقى لمن أصابه الهلع والخوف:

" ناولني جدي طاسة فضية منمنمة مطرزة بأسماء الله الحسنى وآية الكرسي، ركضت عائدا للبيت، وكأن رعبا ما مسني، أنا من يحتاج إلى طاسة الرعبة، هجست في نفسي!! وأنا أمسك بكلتا يديَّ هذه الطاسة العجيبة التي تشفي الناس من صدمة الخوف أو الرعب"(4).

غير أنه "الرواشدة" يقدم لنا وجهة نظر تقف عند حدود الخزعبلات والخرافات من مثل هذه العادات والتقاليد التي ورثناها، وسلَّمنا بها مع كثير من الوَجل في عدم تصديقها، أو الأخذ بها، وكأنما نمضي قدما مع قولهم: اللهم هبني إيمانك، إيمان العجائز.

" تساءلت: ما هذا الكلام المنقوش على حوافه اللي يشفي من الرعب، لم أدر آنذاك مغزى الأحرف المكتوبة، بخط جميل متعرِّج، تمنيت لو أني قذفتها في إحدى الحفر الكثيرة التي صادفتني، لكنني تذكرت أختي، وخشيت أن يدوم رعبها وينتقل بعدها لأبنائها وإلى أبد الآبدين، فأي ذنب سأشعر به حينذاك"(5).

ويستمر الرواشدة بالاستعانة التراث؛ مؤكدا على أن العالم العربي متخم بهذا الخرافات: "أخذني أهلي إلى شيخ مغربي معمر منذ ألف وأربعمئة عام، كان يسكن منطقة المرج، وأخبروه أن هذا الفتى لا يزداد وزنه أبدا، فهو نحيل الجسم ضعيف البنية. قال أحدهم: إن أفعى ضخمة دخلت من فمي وهي نائمة في معدتي ومعتصمة في تجاويفي، وتأبى الخروج، وقد عجز حكماء قريتنا عن إخراجه"(6).

لقد جاءت تجربة الرواشدة في المهطوان لتسلط الضوء على الحركة الحزبيَّة في تلك الفترة، وأن المجتمعات آنذاك بحاجة إلى الانخراط في الأحزاب السياسية، غير أن موقف الرواشدة مختلف تماما عمَّا هو مألوف في الدعوة إلى الأفكار السياسية وغيرها، فالمجتمعات التي ترتكن إلى (طاسة الرعبة) و (الشيوخ المغاربة) هي مجتمعات بحاجة إلى إعادة بناء من جديد؛ لتكون قادرة على الانخراط في الأحزاب السياسية، حسب ما أراده الكاتب في عمله الروائي. وإنَّ ما يعزز ذلك، التجربة الحزبية التي تمر بها البلاد، حيث لا وجود لحزب منظم يستطيع الشباب الانخراط فيه دون وجل، سواء كان الخوف سياسيا أم وطنيا: "ومنذ ذلك الوقت نظَّمني غسان في الحزب وابتدأت رحلتي الطويلة المعذَّبة"(7)، "أدخلوني زنزانة انفرادية، مساء اليوم الثاني بدأ التحقيق. صفعة...صفعتان والدم يقطر من أنفي، مضت ساعات وأنا تحت الضرب والتحقيق"(8).

المكان في جنوب الأردن يشكل هاجسا لدى الكتاب والشعراء، فكثيرا ما يرد الجنوب علانية في كتاباتهم وأشعارهم، ولعل حكمت النوايسة، ومحمد الشروش، وعطاالله الحجايا، وهشام القواسمة، وإسماعيل السعودي، وغيرهم الكثير من الذين انحازوا لهذا المكان (الجنوب) جعلوا منه ملهما لإبداعاتهم. ورمضان الرواشدة أيضا واحد من الذين سطروا الجنوب في كتاباتهم، بل إن روايته الصادرة عن دار الشروق في عمان ورام الله، لعام 2019، حملت اسم (جنوبي)، والمتتبع لأعمال الرواشدة الروائية يلحظ أن الجنوب قد شكَّل الخيط الرفيع الذي يجمع تلك الأعمال بعضها ببعض.

وفي المهطوان كان التراث مقرونا بالمكان، القرية، راكين، التي أحبها، لكنه خائف أيضا من عمان، المدينة، بلد العلم والسياسة والأحزاب!!
"عمان جميلة وبهيَّة

ها نحن نرحل إليها من القرية، كان فرحا بدخولها..وعودة يمضي في طرقات لا يعرفها..

قلق ما يعتريه، لا يعرف منبعه آه..يا أرض راكين التي حرقتها الشمس ومرَّت عليها السنون العجاف، تعلَّم من زنود الفلاحين كيف يفهم الأرض ويناغيها، ويسكب الدمع في الأغنيات، والمواويل الجنوبية والميجنا الحزينة والجوفية التي ترقص الجميع...والسَّامر والدحية:
هلا وهالا بيه يا هلا..لا يا حليفي يا الولد"(9).

فعلى الرغم من ذكره للأغنيات والمواويل الجنوبية، والميجنا الحزينة، والجوفية، إلا أنه فضل السامر عليها جميعا، ولا سيما أن السامر علامة فارقة في جنوب الأردن، حيث التراث مقرون به، ولعلَّ الرواشدة أراد لهذا الاستهلال التراثي السامري أن يكون محط التقدير لعمان بعد أن خرج البطل من القرية راكين، إلى عمان مدينة الأحزاب، لتبقى الرواية مشحونة بين الفينة والأخرى بمرجعية تراثية هي صفة غالبة على كاتبها الرواشدة الذي خبر القرى، وخبر تراثها، وطرب لسامرها، مدركا أن هذا الحليف الذي نردد منذ عشرات السنين لا زال يقف موقفا مسالما، لكنه كثيرا ما يعبِّر عن رمزية السخط في حال كانت الأمور تجري في غير مقادريها، ولعلَّ هذا الذي أراد أن يقودنا إليه الكاتب بصورة أدبية تراثية سياسية، حيث وظف التراث؛ ليعبِّر من خلاله عن وجهة نظر سياسية، ديدنها الأحزاب السياسية.

وعليه، فإن "المهطوان" لرمضان الرواشدة، تأتي كواحدة من الأعمال الأدبية التي سلَّطت الضوء على التجارب الحزبية الأردنية، معلنة أنَّ بابا جديدا سيطرقه الكُتَّاب في السياسة الحزبية دون تردد، ولعلنا لا نخطئ القول إن قلنا: إنَّ قادم الأعمال الأدبية سيحمل في جعبته الكثير من المواقف السياسية الأردنية، لتظهر تلك الكتابات كحالة إبداعية عربية يشار إليها بالبنان.

 الهوامش:
1. الرواشدة، رمضان: المهطوان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2022، ص: 14.
2. المصدر نفسه، ص: 15.
3. المصدر نفسه، ص: 15.
4. المصدر نفسه، ص: 24.
5. المصدر نفسه، ص: 24.
6. المصدر نفسه، ص: 26.
7. المصدر نفسه، ص: 35.
8. المصدر نفسه، ص: 40.
9. المصدر نفسه، ص: 76.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :