facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




السفير الوهمي


د. هيفاء ابوغزالة
09-06-2026 03:15 PM

في زمن أصبح فيه كل شيء قابلاً للتسويق، وصل العبث إلى أخطر مراحله حين تحولت الألقاب الإنسانية والدبلوماسية إلى سلعة تُباع وتشترى، وأصبح بإمكان أي شخص أن يستيقظ صباحاً ليجد نفسه "سفيراً للسلام" أو "سفيراً للنوايا الحسنة" أو "سفيراً للثقافة" أو "سفيراً للإنسانية"، ليس بفضل إنجاز استثنائي أو تكليف رسمي، بل مقابل رسوم مالية تدفع لمنظمات وجمعيات ومؤسسات مجهولة المصدر والمرجعية، لا يعرف أحد من منحها حق توزيع الألقاب أو المتاجرة بالمكانة المعنوية للناس.

خلال سنوات عملي في جامعة الدول العربية، واجهنا عشرات الحالات التي كانت تستخدم شعارات عربية ودولية وألقاباً رنانة لخداع الناس وإيهامهم بامتلاك شرعية لا وجود لها. وكان المؤسف أن بعض هذه الجهات كانت تضع شعارات جامعة الدول العربية أو الأمم المتحدة أو توحي بوجود علاقة رسمية معها، بينما الحقيقة أن هذه المؤسسات لا تعلم عنها شيئاً ولا تربطها بها أي صلة قانونية أو تنظيمية.

ومن المهم التنويه بأن جامعة الدول العربية، منذ تأسيسها عام 1945 وحتى اليوم، لم تمنح لقب "سفير فخري" لأي شخص، ولم تفوض أي منظمة أو جمعية أو مؤسسة للقيام بذلك نيابة عنها. ومع ذلك ما زالت بعض الجهات تستغل جهل الناس بهذه الحقيقة، فتوزع الألقاب، وتقيم الاحتفالات والبروتوكولات الوهمية، وتلتقط الصور التذكارية لتوهم الضحايا بأنهم أصبحوا جزءاً من منظومة دبلوماسية أو دولية مرموقة.

وأتذكر جيداً إحدى الحالات التي وصلت إلى مكتبي في الجامعة العربية، حين قُدمت لي شخصية على أنها "سفير للنوايا الحسنة". وعندما استفسرت عن طبيعة التكليف والجهة المانحة، كانت المفاجأة أن هذا الشخص ابلغني انه دفع للمنظمة التي منحته اللقب ما يقارب مئتي ألف دولار للحصول على هذا اللقب. لم يكن هناك قرار إقليمي أو دولي، ولا اعتماد رسمي، ولا أي صفة قانونية أو دبلوماسية. كان هناك فقط استغلال منظم للطموح الإنساني والرغبة في الوجاهة الاجتماعية والظهور الإعلامي.

المشكلة لا تكمن في تكريم الشخصيات أو تقدير أصحاب المبادرات، فهذا أمر محمود ومطلوب، بل تكمن في تسويق أوهام الدبلوماسية والتمثيل الدولي وبيع صفات لا يملك أحد حق منحها. فالسفير ليس لقباً احتفالياً ولا وساماً اجتماعياً، بل صفة قانونية ودبلوماسية تنظمها الاتفاقيات الدولية والأعراف المستقرة بين الدول. أما تحويل هذه الصفة إلى بطاقة شرفية تُمنح مقابل المال فهو إساءة لمفهوم الدبلوماسية وللمؤسسات التي تمثلها.

والأخطر أن هذه الظاهرة لم تعد تستهدف أشخاصاً عاديين فقط، بل أصبحت تستقطب فنانين وأكاديميين وإعلاميين وأصحاب أعمال وشخصيات عامة، يتم إغراؤهم بالألقاب والاحتفالات والبروتوكولات المصطنعة، ليصبحوا دون قصد أدوات لتسويق المزيد من الخداع وإضفاء شرعية وهمية على هذه الكيانات.

لقد حاولت جامعة الدول العربية، ومعها عدد من الدول العربية التي تم إبلاغها بوجود مثل هذه المنظمات، التصدي لهذه الممارسات والتنبيه إلى خطورتها، إلا أن القائمين عليها كانوا يغيرون أسماء مؤسساتهم باستمرار، وينتقلون من دولة إلى أخرى، ويستحدثون مسميات جديدة كلما انكشف أمرهم، مستفيدين من ضعف التشريعات أحياناً ومن غياب التنسيق العربي أحياناً أخرى.

ولعل الأخطر من كل ذلك أن هذه الجهات لا تكتفي بمنح الألقاب، بل تسعى إلى خلق انطباع زائف لدى الرأي العام بأن حامليها يتمتعون بصفة تمثيلية أو دبلوماسية أو دولية، وهو أمر يسيء إلى العمل الإنساني وإلى المؤسسات الدولية والعربية الحقيقية، ويخلط بين التكريم المعنوي والصفة القانونية المعترف بها.

اليوم لم يعد الصمت مقبولاً. المطلوب من الحكومات العربية ممثلة بوزارات الداخلية والعدل والثقافة والإعلام وغيرها ، ومن جامعة الدول العربية نفسها، إطلاق حملة عربية شاملة لمواجهة هذه الظاهرة. كما أن من الضروري سن تشريعات واضحة تجرّم استخدام الألقاب الدبلوماسية والإنسانية بصورة مضللة، وملاحقة الجهات التي تجمع الأموال مقابل منح ألقاب أو صفات توهم الناس بوجود اعتراف رسمي أو دولي.

إن حماية العمل الإنساني الحقيقي تبدأ من حماية الناس من المتاجرين به، وحماية الدبلوماسية تبدأ من وقف المتاجرة بألقابها. أما الألقاب التي تُشترى بالمال فلا تصنع مكانة، والتي تُمنح بلا شرعية لا تصنع احتراماً، والاحتفالات التي تُقام في قاعات الفنادق ليست سوى واجهات براقة لعمليات خداع منظمة آن الأوان لوضع حد لها.

لقد حان الوقت لأن نقول : لا للسفراء الوهميين، لا للمتاجرة بالألقاب، لا لاستغلال طموحات الناس وأحلامهم، ولا لتحويل العمل الإنساني إلى تجارة تدر الأرباح على حساب الثقة العامة ومصداقية المؤسسات.

إن مواجهة عصابات الألقاب الوهمية لم تعد خياراً، بل ضرورة لحماية هيبة المؤسسات العربية والدولية، وصون العمل الإنساني من المتاجرين به، ووضع حدٍّ لسوقٍ سوداء تبيع للناس أوهام المكانة وتشتري منهم الثقة والمال.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :