عبدالله الثاني ومسيرة الدولة الهاشمية من التأسيس إلى التحديث
الدكتور علي فواز العدوان
09-06-2026 07:26 PM
ليس عيد الجلوس الملكي في الأردن مناسبة بروتوكولية عابرة، بل محطة وطنية تستدعي قراءة متجددة لمسيرة الدولة الأردنية وتطورها عبر الأجيال الهاشمية المتعاقبة. ففي التاسع من حزيران من كل عام، يستذكر الأردنيون تسلم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية ملكًا للمملكة الأردنية الهاشمية، ويستحضرون في الوقت ذاته رحلة وطن بدأت مع الثورة العربية الكبرى، وترسخت مع تأسيس الدولة، وتعززت أركانها عبر عقود من البناء والتحديث.
وعندما نتأمل عيد الجلوس الملكي السابع والعشرين، فإننا لا نتحدث عن سبعة وعشرين عامًا فقط، بل عن امتداد تاريخي لمشروع نهضوي هاشمي تجاوز المئة عام، حافظ على هوية الدولة ورسالتها، ونجح في تحقيق الاستمرارية السياسية في منطقة عانت من التحولات والانقلابات والصراعات.
لقد وضع الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين الأسس الأولى للدولة الأردنية الحديثة، مؤمنًا بأن بناء الإنسان والمؤسسات هو الطريق نحو الاستقرار والنهضة. ومنذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921، بدأت ملامح الدولة بالتشكل وفق رؤية سياسية استشرفت المستقبل، وجعلت من الأردن نموذجًا في الاعتدال والانفتاح.
ثم جاءت مرحلة البناء الوطني في عهد الملك طلال بن عبدالله، الذي ارتبط اسمه بإقرار الدستور الأردني عام 1952، ذلك الدستور الذي ما زال يشكل المرجعية الأساسية للحياة السياسية والدستورية في المملكة، ويعكس عمق الفكر السياسي للدولة الأردنية الحديثة.
أما عهد الملك الحسين بن طلال، فقد شكل مرحلة استثنائية في تاريخ الأردن المعاصر. فعلى امتداد سبعة وأربعين عامًا، واجه الأردن تحديات جسامًا وحروبًا وأزمات إقليمية معقدة، إلا أن الحسين الراحل استطاع بحكمته وبعد نظره أن يحافظ على وحدة الدولة واستقرارها، وأن يؤسس لنهج سياسي يقوم على التوازن والاعتدال والانفتاح على العالم.
وعندما تسلم جلالة الملك عبدالله الثاني الراية عام 1999، كان العالم يدخل مرحلة مختلفة تمامًا من التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية. ومنذ اللحظة الأولى، أدرك جلالته أن المحافظة على منجزات الدولة تتطلب الانتقال بها إلى مرحلة جديدة عنوانها التحديث والتنافسية والاقتصاد المعرفي.
وعلى مدى سبعة وعشرين عامًا، قاد جلالة الملك عملية تحديث شاملة للدولة الأردنية، مستندًا إلى رؤية استراتيجية تقوم على أن قوة الدول في القرن الحادي والعشرين لا تقاس بحجم مواردها فقط، بل بقدرتها على تطوير مؤسساتها والاستثمار في الإنسان وتعزيز مكانتها الدولية.
وفي المجال السياسي، قاد جلالته مسارًا إصلاحيًا متدرجًا هدفه توسيع المشاركة الشعبية وتعزيز الحياة الحزبية والبرلمانية، وصولًا إلى مشروع التحديث السياسي الذي يمثل خارطة طريق لتطوير الحياة الديمقراطية الأردنية خلال العقود المقبلة.
أما اقتصاديًا، فقد سعى الأردن رغم محدودية الموارد والضغوط الإقليمية المتلاحقة إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود وجذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل، مستفيدًا من موقعه الاستراتيجي وكفاءة موارده البشرية، فيما شكل مشروع التحديث الاقتصادي رؤية وطنية شاملة للانتقال نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية.
وفي السياسة الخارجية، رسخ جلالة الملك مكانة الأردن بوصفه دولة محورية وصوتًا للعقل والاعتدال في المنطقة. فقد حافظ الأردن على توازنه السياسي وسط الأزمات الإقليمية المتلاحقة، وبقي شريكًا موثوقًا للمجتمع الدولي في جهود تعزيز الأمن والاستقرار والسلام.
ولعل القضية الفلسطينية والقدس الشريف تمثلان أحد أبرز العناوين الثابتة في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني. فمنذ توليه سلطاته الدستورية، حمل جلالته هذه القضية إلى مختلف المنابر الدولية، مدافعًا عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومؤكدًا أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس مسؤولية تاريخية ودينية وسياسية لا يمكن التفريط بها.
ومع دخول الأردن مئويته الثانية، تتجه الأنظار إلى المستقبل، حيث يبرز الاهتمام الملكي بالشباب وتمكينهم وإعدادهم لقيادة المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، يعكس الدور المتنامي لسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني رؤية هاشمية متجددة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يكمن في الإنسان، وأن استمرارية الدولة تقوم على إعداد أجيال قادرة على حمل الرسالة الوطنية ومواصلة مسيرة البناء.
وفي عيد الجلوس الملكي السابع والعشرين، يقف الأردنيون أمام تجربة وطنية فريدة جمعت بين الاستقرار والتطوير، وبين المحافظة على الثوابت والانفتاح على المستقبل. إنها مسيرة دولة بدأت بفكرة عربية نهضوية حملها الهاشميون قبل أكثر من قرن، وما زالت تتجدد بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي واصل البناء على إرث الآباء والأجداد، وقاد الأردن بثبات نحو آفاق أرحب من التقدم والازدهار.
فبين التأسيس الذي أرسى القواعد، والبناء الذي عزز المؤسسات، والتحديث الذي يقود المستقبل، تتواصل الحكاية الأردنية الهاشمية، لتؤكد أن قوة الأردن لم تكن يومًا في موارده فقط، بل في قيادته وشعبه وإيمانه الدائم بأن المستقبل يُصنع بالإرادة والعمل والرؤية الواضحة.