الهيئات المستقلة في الأردن: ضرورة إدارية أم عبء مالي ودستوري؟
حسان سلطان المجالي
09-06-2026 09:41 PM
أصبحت مسألة الهيئات المستقلة في الأردن تستحق مراجعة وطنية جادة بعيداً عن الشعارات والدفاع التقليدي عن الواقع القائم ، فبعد سنوات طويلة من إنشائها تحت عناوين الإصلاح الإداري والحوكمة وتعزيز الكفاءة ، يبرز اليوم سؤال مشروع مفاده :
هل ما زالت هذه الهيئات تحقق الغاية التي أنشئت من أجلها ، أم أنها تحولت إلى عبء مالي وإداري يثقل كاهل الخزينة العامة ...؟
عندما تتجاوز موازنات الهيئات المستقلة والشركات الحكومية التابعة لها مليارات الدنانير سنوياً يصبح من حق المواطن أن يسأل عن حجم العائد الفعلي الذي تحققه للدولة ، وعن مدى الحاجة إلى استمرارها بصيغتها الحالية ، خاصة في ظل وجود وزارات ومؤسسات عامة تمارس في كثير من الأحيان اختصاصات متشابهة أو متقاطعة معها .
الأمر لا يقف عند الجانب المالي فحسب ، بل يمتد إلى قضية دستورية وأخلاقية تتعلق بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين العاملين في القطاع العام ، فمن الصعب تبرير وجود فروقات واسعة في الرواتب والمزايا بين موظفين يؤدون أعمالاً متقاربة في طبيعتها ومسؤولياتها ، بينما يتقاضى بعض العاملين في الهيئات المستقلة والشركات الحكومية رواتب وحوافز تفوق بأضعاف ما يتقاضاه موظفو الوزارات والمؤسسات العامة ، بل وتتجاوز في بعض الحالات رواتب كبار مسؤولي الدولة .
إضافة لما سبق فإن تضخم عدد الهيئات المستقلة أوجد طبقة إدارية موازية للجهاز الحكومي التقليدي ، الأمر الذي أضعف مبدأ وحدة الإدارة العامة ، وخلق ازدواجية في الاختصاصات ، وأدى إلى تشتت المسؤولية والمساءلة ، بحيث أصبح المواطن أحياناً عاجزاً عن تحديد الجهة المختصة أو الجهة التي تتحمل مسؤولية القرار .
ومن هنا فإن إعادة تقييم هذه الهيئات لم تعد ترفاً إدارياً ، بل ضرورة وطنية تفرضها اعتبارات الكفاءة والعدالة وترشيد الإنفاق العام ، فليس المقصود إلغاء كل هيئة مستقلة على نحو شامل ، وإنما إخضاعها لمراجعة موضوعية تقيس الحاجة الحقيقية لوجودها ، ومدى تحقيقها للأهداف التي أنشئت من أجلها ، وإمكانية دمج بعضها في الوزارات المختصة أو إلغاء ما انتفت مبررات استمراره .
لقد كان إنشاء العديد من هذه الهيئات جزءاً من مرحلة سياسية واقتصادية سابقة وبرامج إصلاح طُرحت قبل عقود ولم تحقق نجاحاتها ، لذلك فإن بقاء النتائج لا يعني بالضرورة بقاء المبررات ، فالدولة الرشيدة لا تتمسك بالمؤسسات لذاتها ، بل بقدرتها على تحقيق المصلحة العامة ، وعندما تصبح الكلفة أعلى من الفائدة فإن المراجعة والتصحيح يصبحان واجباً لا خياراً .
والله المستعان .