توطئة
يُعد مجلس النواب من أهم مؤسسات الدولة في الأنظمة السياسية الحديثة، وهو ركيزة أساسية في أي نظام يقوم على مبدأ الديمقراطية وتمثيل الشعب، وتكمن أهميته وخطورة دوره في عدة جوانب رئيسية أولها تمثيل الشعب، فيعتبر مجلس النواب هو صوت المواطنين، حيث يتم انتخاب أعضائه من قبل الشعب ليعبروا عن مصالحه واحتياجاته، لذلك يُعتبر حلقة الوصل بين الدولة والمجتمع، ثم يأتي التشريع (سنّ القوانين)، فمن أبرز أدوار المجلس إصدار القوانين التي تنظم حياة المجتمع في مختلف المجالات (الاقتصاد، التعليم، الصحة، وغيرها). ولا يصبح أي قانون نافذًا إلا بعد مناقشته وإقراره داخل المجلس، بعد ذلك تكون الرقابة على الحكومة، فالمجلس يمارس دورًا رقابيًا مهمًا على عمل الحكومة ضابطا لايقاعها، من خلال توجيه الأسئلة والاستجوابات للوزراء ومناقشة السياسات العامة وحجب الثقة عن الحكومة أو أحد أعضائها عند التقصير، وهذا الدور يهدف إلى ضمان الشفافية والمساءلة، ولا ننسى إقرار الموازنة العامة، فيقوم مجلس النواب بمناقشة وإقرار الموازنة العامة للدولة، بمعنى كيفية توزيع الأموال العامة، مما يضمن توجيهها لخدمة المواطنين بشكل عادل، ثم تأتي ادوار ٱخرى للمجلس كتعزيز الديمقراطية، فهو يساهم في ترسيخ مبادئ الديمقراطية من خلال إتاحة النقاش العلني للقضايا العامة وإشراك مختلف التيارات السياسية لضمان تداول الآراء والرقابة الشعبية، ولا ننسى ان المجلس يقوم بالتعبير عن قضايا المجتمع وذلك بنقله لمشاكل الناس اليومية (البطالة، الفقر، الخدمات) إلى صناع القرار، ويسعون لإيجاد حلول لها، اذا فمجلس النواب ليس مجرد هيئة تشريعية، بل هو مؤسسة تضمن التوازن بين السلطات، وتحمي مصالح الشعب، وتُعزز المشاركة السياسية. حيث ان قوته وفاعليته تعتمد بشكل كبير على وعي الناخبين وكفاءة النواب ونزاهة العملية السياسية ككل.
يتمتع مجلس النواب الاردني ( دستوريا) بدور لايقل عن نفس الدور وبالتفاصيل الواردة اعلاه لكن التجربة الديمقراطية الاردنية افرزت وعلى ارض الواقع مجلسا نحا منحا آخر عن دوره المفترض، فالاصل بالمجلس انه سيد نفسه وممثلا للشعب، لكنه خضع واستسلم لسيادة غيره لقاء منافع وخدمات آنية قد تكون بشكل شخصي لذوات النواب انفسهم، أو مناطقية أو غير ذلك، او قد تكون على شكل ضغوط على جسم المجلس كامل بحيث لا يقوى على تحملها، فتصبح ارادته هشة وفي مهب الريح، عندها يصبح المجلس ممثلا على الشعب لا ممثلا له ومسوقا لقرارات غيره ويتضائل دوره وتتآكل مهمته كما تتآكل صورته في ذهن الشعب، وتم اختزال ادواره ليصبح مجلس خدمات أو أكثر قليلا، ونقولها بكل مرارة ان المجلس اصبح لا يعول عليه في صلب عمله وسبب وجوده الا وهو التشريع والرقابة كممثل للشعب كما اسلفنا.
نعم كانت هناك مجالس أقوى من غيرها نسبيا وكان هناك نوابا فرادى تميزوا دون غيرهم، لكن اعتقد ان السمة العامة للمجالس هو الضعف بدرجات متفاوتة، والطريف بالموضوع ان التجارب الديمقراطية عند الامم الاخرى يكون الزمن كفيل بتعديل المسار وتصحيحه وتطويره نحو الافضل شيئا فشيئا بتراكم المسيرة الديمقراطية، الا عندنا ( وحوالينا) فالخط البياني بإنحدار وتتجذر الاخطاء وتصبح نهجا بمرور الزمن، وتظافرت عدة امور فرادى ومجتمعة لتفرز هذه المجالس اولها القوانين بدءًا من الصوت الواحد ثم الدوائر الوهمية وعدد ولا حرج فكل مجلس كان نتيجة قانون يختلف عن الذي قبله، حتى الاضافة الحزبية الاخيرة بالمجلس والتي جاءت على خلفية التحديثات السياسية ( اكثر من مائة نائب) لم تحدث فرقا يذكر، بل انها انصاعت للنهج السائد، وهذا بشهادة الكثير من نواب الاحزاب انفسهم.
كل هذا وغيره ساهم بان يصبح المجلس مفصولا عن واقع الشعب ومعاناته، وهذا يظهر جليا عند مناقشاته لمشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة فالمتابع لاجراءآت المجلس يجد ان غالبية النواب واللجان المختصة بالمجلس لدراسة هذه المشاريع، هي المسوق لها بشكل او بآخر.
ندرك ايضا ان الشعب ساهم مساهمة كبيرة في صنع وتوجيه المجلس نحو هذا الواقع المر وذلك بالضغط المناطقي والجهوي ...الخ، لكن تبقى المسؤولية النهائية مسؤولية مجلس النواب نفسه بالخروج من هذا الواقع، ولا نقول اننا نريد ذلك غدا صباحا،ولكن شيئا فشيئا لتستقيم الامور ويعود القطار الى سكته الطبيعية.
شهادات ذاتية من المجلس...وهذا غيض من فيض
_ احد النواب المخضرمين وكان رئيسا للمجلس لعدة دورات وصف المجلس (بالديكور)
_ احد النواب المخضرمين ايضا وصف المجلس وقال بصراحة مجلس صف حكي، وقلته احسن منه
_ وكصيغة مبالغة اراد احد النواب ان يوصل رسالة عندما سألته فقال : والله لو تقدمت الحكومة بمشروع قرار لابادة الشعب كامل لاستطاعت ان تنتزع موافقة المجلس.
_ احد النواب الحزبيين سالته عن دور الاحزاب ونوابهم بالمجلس، فقال مقهقها: يا رجل عن أي احزاب ونواب تتكلم...انسى الموضوع