facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الثورة العربية ويوم الجيش .. ذاكرة أمة ومسار دولة


فيصل تايه
10-06-2026 08:54 AM

​في العاشر من حزيران، نقف أمام لحظة تأسيس كبرى ما تزال تمتدّ آثارها في بنية الدولة والوعي والهوية. إنها ذكرى الثورة العربية الكبرى ويوم الجيش العربي؛ حيث لا يعود الماضي ماضياً، بل يتحول إلى فكرة حيّة تشتبك مع الحاضر وتعيد تشكيل معناه.

​لم تكن الثورة العربية الكبرى انفجاراً سياسياً ضد واقع قائم فحسب، بل كانت إعلاناً صريحاً عن ميلاد إرادة عربية جديدة، ترى في الإنسان جوهر المعادلة، وفي الحرية شرطاً للوجود، وفي الكرامة أساساً لأي مشروع نهضوي. لقد تجاوزت تلك الثورة حدود الزمان الذي انطلقت فيه، لأنها لم تُبنَ على ردّ الفعل، بل على صناعة الفعل التاريخي نفسه، وعلى إعادة تعريف موقع الأمة في الجغرافيا والتاريخ معاً.

​ومن هنا، فإن قراءتها اليوم لا يجوز أن تُختزل في بعدها الاحتفالي، بل ينبغي أن تُفهم بوصفها لحظة تأسيس لمشروع ما يزال مستمراً، مشروع لم يكتمل بعد لأنه لم يكن يوماً مشروع سلطة، بل مشروع وعي ونهضة وهوية.

​وفي هذا السياق، يبرز الأردن بوصفه الامتداد الأكثر وضوحاً لذلك المعنى التأسيسي، والوارث الشرعي الوحيد لرسالة النهضة العربية الكبرى؛ دولةٌ تشكلت في قلب التحولات الكبرى للمنطقة، لكنها اختارت منذ اللحظة الأولى أن تبني استقرارها على التوازن لا على المغامرة، وعلى الدولة لا على الفوضى، وعلى الإنسان لا على الشعارات، ليتحول المشروع القومي الفكري عبر مسيرتها إلى مؤسسة دولة صلبة وقانون راسخ يحمي الجميع.

لقد كان الأردن، بقيادته الهاشمية، حالة سياسية فريدة في إقليم تتنازعه الانكسارات، لكنه ظلّ ثابتاً في منطقه السياسي، متماسكاً في بنيته، صلباً في رؤيته، ووفياً للمعنى العميق الذي انطلقت منه الثورة: أن الحرية لا تكتمل إلا بدولة، وأن الدولة لا تستقيم إلا باستقرار.

​وفي قلب هذا المعنى، يتجلى الجيش العربي الأردني بوصفه الامتداد المؤسسي والروحي لتلك الثورة. فهذا الجيش لم يكن يوماً مجرد تشكيل عسكري يؤدي وظيفة تقليدية، بل كان ولا يزال أحد أعمدة الدولة الأردنية، وركيزة أمنها، وسياجها الحامي، وصوتها الصارم حين يتطلب الأمر، ووجهها الإنساني حين تُستدعى قيم الواجب خارج الحدود.

​لقد كان للجيش العربي حضورٌ تاريخي مشهود في محطات مفصلية من القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها الدفاع عن القدس ومقدساتها، حيث تلاحم الواجب العسكري بالمسؤولية التاريخية والقومية للوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، في واحدة من أكثر الصفحات دلالة على معنى الانتماء العربي الصادق. كما واصل هذا الجيش أداء رسالته في مختلف الظروف، من حماية الحدود وصون الاستقرار، إلى الإسهام في مهام إنسانية وإغاثية في ميادين متعددة، ليبقى اسمه مقترناً بالفعل لا بالقول، وبالممارسة لا بالشعار.

​وفي زمن إقليمي مضطرب تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه التحديات، يظل الأردن ثابتاً على معادلة دقيقة: استقرار في الداخل، ووعي عميق بما يجري في الإقليم، وانحياز دائم للتهدئة والعقل والحكمة، بعيداً عن الاندفاع أو الانفعال؛ وهي معادلة راسخة تبرهن دوماً على منعة الدولة الأردنية، وقدرتها الفائقة على الموازنة الذكية بين صون إرث التأسيس ومواصلة مسارات التحديث والتمكين الوطني الشامل. وهي معادلة لم تأتِ صدفة، بل تأسست عبر تراكم طويل من الخبرة السياسية، والقدرة على قراءة التحولات دون التفريط بثوابت الدولة.

​وهكذا، لا تبدو الثورة العربية الكبرى حدثاً تاريخياً منتهياً، بل مرجعية مستمرة لإعادة تعريف معنى الدولة الحديثة في هذه المنطقة؛ دولة تقوم على الإنسان، وتحميها المؤسسات، ويصونها الوعي، ويقودها الإيمان بأن الكرامة ليست شعاراً بل ممارسة يومية في السياسة والحياة.

​إنها مناسبة لا تُستدعى فيها العبارات بقدر ما تُستدعى فيها المعاني الكبرى: الدولة، الهوية، السيادة، والقدرة على الاستمرار. فالثورة العربية الكبرى لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، لأنها ببساطة لم تكن بداية حكاية انتهت، بل بداية فكرة ما تزال تُكتب فصولها حتى اليوم.

​حفظ الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وجعل قيادته الهاشمية وجيشه العربي وأبناءه الأوفياء على قدر الرسالة والتاريخ، ليبقى هذا الوطن كما أرادته تلك اللحظة المؤسسة: دولةً لا تُختصر في حدود، بل تُقاس بقدرتها على الصمود والمعنى والاستمرار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :