خلف النشامى .. الأردن يكتب التاريخ
عيسى حداد
10-06-2026 10:51 AM
في حياة الشعوب محطات تبقى راسخة في الذاكرة الوطنية، ولحظات تتحول إلى علامات فارقة يتناقلها الأبناء والأحفاد جيلاً بعد جيل. وما حققه منتخبنا الوطني لكرة القدم بالتأهل إلى نهائيات كأس العالم للمرة الأولى في تاريخ الأردن، هو بلا شك إحدى تلك اللحظات الاستثنائية التي تستحق أن نقف عندها بفخر واعتزاز.
لقد نجح النشامى في تحقيق حلم راود الأردنيين لعقود، ووضعوا اسم الأردن بين كبار منتخبات العالم، ليصبح علم الوطن حاضراً في أكبر بطولة كروية على وجه الأرض. لكن هذا الإنجاز لم يأتِ من فراغ، بل كان تتويجاً لمسيرة بناء بدأت قبل سنوات.
فمن كأس آسيا الأخيرة، حيث خطف النشامى الأنظار بانتصاراتهم المستحقة على عمالقة القارة مثل كوريا الجنوبية والعراق، وكادوا يلمسون الذهب لولا التلاعب الواضح بالتحكيم بالمباراة النهائية.
إلى كأس العرب، حيث تغلبوا على منتخبات كبرى ووقفوا على بعد خطوة من اللقب خسروها بالحظ فقط، أثبت هذا الجيل أنه قادر على صنع المعجزات.
وخلف هذا الجيل الذهبي، مدرسة كروية مغربية صارمة، بدأها الكابتن حسين عموتة بوضع أسس الانضباط والهوية الكروية، وأكملها اليوم الكابتن جمال السلامي بقيادة واعية وحنكة تكتيكية عالية. إنها قصة نجاح عربي أردني بامتياز.
ولا يُمكن أن نمر على هذا الإنجاز دون أن نذكر الدور المحوري لسمو الأمير علي بن الحسين، رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم، الذي لم يوفّر جهداً في متابعة تفاصيل المنتخب، من التخطيط للمعسكرات إلى توفير البيئة المثالية للاعبين. وكما كان دعم جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمير الحسين بن عبدالله حاضراً في كل محطة، كان آخرها تكريم المنتخب في عيد الاستقلال، وكأنما أرادا أن يقولا للاعبين: فخركم هو فخر الأردن.
اليوم، ونحنُ نستعد لمتابعة منتخبنا في هذا الحدث العالمي التاريخي، فإن المسؤولية لا تقع على اللاعبين والجهاز الفني وحدهم، بل تمتد إلى كل أردني وأردنية. النشامى ليسوا مُجرًّد لاعبين يرتدون قميص المنتخب، بل هم أبناء هذا الوطن الذين حملوا أحلام شعبٍ كامل على أكتافهم.
في مثل هذه اللحظات، لا مكان لجلدِ الذات، ولا للاندفاع في النقد. نؤجل الأحكام إلى ما بعد الصافرة الأخيرة؛ اليوم فقط تشجيع ودعم. المشاركة في كأس العالم ليست مجرد مباريات، بل تجربة تاريخية تحتاج إلى بيئة وطنية تؤمن بقدرات أبنائها.
لقد أثبت النشامى أنهم أهل للثقة. ومن أوصل الأردن إلى كأس العالم يستحق أن يشعر بأن خلفه شعباً كاملاً يقف معه في كل مباراة وكل لحظة.
فلنرفع جميعاً شعار المرحلة "خلف النشامى". ولنجعل من مشاركتهم الأولى في كأس العالم مناسبة وطنية تُجسٍّد وحدتنا وانتماءنا. فالنشامى كتبوا التاريخ بالتأهل، وحان دورنا لنكتب معهم قصة الدعم والوفاء.
عاش الأردن، وعاش النشامى، وحفظ الله وطننا وشعبنا وقيادتنا.