facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الجامعات الأردنية ومختبرات الذكاء الاصطناعي


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
10-06-2026 11:58 AM

* صناعة الثورة الرقمية في كرة القدم وفرصة وطنية لبناء المستقبل

لم تعد كرة القدم في عصرنا الحديث مجرد لعبة تُحسم نتائجها داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت منظومة معرفية متكاملة تتداخل فيها التكنولوجيا مع العلوم الرياضية والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي. فالدول التي تتصدر المشهد الكروي العالمي لم تصل إلى إنجازاتها بالموهبة وحدها أو بالخبرة الفنية فقط، وإنما من خلال استثمارات ضخمة في البحث العلمي والتقنيات الحديثة وتحويل البيانات إلى أداة لاتخاذ القرار وصناعة التفوق. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبدو أمام الأردن فرصة حقيقية للانتقال بكرة القدم الوطنية إلى مرحلة جديدة تقوم على المعرفة والابتكار، مستفيدًا من البيئة الوطنية الداعمة للتحديث والتكنولوجيا ومن الاهتمام الكبير الذي يوليه جلالة الملك عبدالله الثاني للشباب والتعليم والريادة، والدعم المتواصل الذي يقدمه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد لقطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واقتصاد المستقبل.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الأردن يمتلك طاقات شبابية متميزة وكفاءات أكاديمية متقدمة وبنية تعليمية قادرة على المنافسة، وهو ما يجعل الجامعات الأردنية مؤهلة للعب دور محوري في تطوير الرياضة الوطنية بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص. فهذه الجامعات تضم آلاف الباحثين وأعضاء هيئة التدريس والطلبة في تخصصات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والحوسبة والهندسة وإنترنت الأشياء والأمن السيبراني والعلوم الرياضية، وهي تخصصات أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من صناعة الرياضة الحديثة. ومن هنا فإن تحويل الجامعات إلى شريك استراتيجي للاتحاد الأردني لكرة القدم والأندية الرياضية لم يعد خيارًا إضافيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المنافسة في القرن الحادي والعشرين.

إن كرة القدم الحديثة تعتمد على تحليل كميات هائلة من البيانات التي يتم جمعها من التدريبات والمباريات بصورة مستمرة. فكل حركة يقوم بها اللاعب، وكل تمريرة أو تسديدة أو عملية ضغط أو افتكاك للكرة يمكن قياسها وتحليلها واستخراج مؤشرات دقيقة منها تساعد على فهم الأداء وتطويره. واليوم تستطيع الخوارزميات الذكية تحليل آلاف اللقطات خلال دقائق معدودة واكتشاف أنماط لا تستطيع العين البشرية ملاحظتها بسهولة، كما يمكنها التنبؤ بمستوى تطور اللاعبين أو احتمالية تعرضهم للإصابات أو حتى مدى ملاءمتهم لأساليب لعب معينة. وهنا يظهر الدور الذي يمكن أن تقوم به الجامعات الأردنية في تطوير أنظمة وطنية لتحليل الأداء الرياضي تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتوفر للأندية والمنتخبات أدوات علمية متقدمة تساعدها على اتخاذ قرارات أكثر دقة وموضوعية.

ولا تقتصر أهمية التكنولوجيا على الجوانب الفنية فقط، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات وطنية شاملة للاعب الأردني منذ المراحل العمرية المبكرة وحتى الاحتراف. فبدلًا من الاعتماد على الذاكرة الشخصية أو السجلات التقليدية، يمكن إنشاء ملف رقمي متكامل لكل لاعب يتضمن تاريخه الرياضي ومؤشراته البدنية والفنية والطبية والنفسية والتعليمية، ويتم تحديثه بصورة مستمرة. وعندها تصبح عملية اكتشاف المواهب وتطويرها أكثر كفاءة، كما يصبح بالإمكان متابعة تطور اللاعبين عبر السنوات واتخاذ قرارات تستند إلى معلومات دقيقة لا إلى الانطباعات الشخصية فقط.

ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضًا إنشاء مركز وطني لتحليل البيانات الرياضية بالشراكة بين الجامعات والاتحاد الأردني لكرة القدم، بحيث يشكل بيت خبرة علميًا يخدم المنتخبات الوطنية والأندية والفئات العمرية المختلفة. ويمكن لهذا المركز أن يطور نماذج تنبؤية تساعد في تقييم الأداء واستشراف المستقبل الرياضي للاعبين، كما يمكنه إجراء الدراسات والأبحاث التطبيقية التي تسهم في رفع مستوى المنافسة وتطوير السياسات الرياضية على أسس علمية واضحة.

كما أن تقنيات إنترنت الأشياء تفتح آفاقًا واسعة أمام تطوير كرة القدم الأردنية، من خلال استخدام أجهزة الاستشعار الذكية التي يرتديها اللاعبون أثناء التدريبات والمباريات لقياس مؤشرات الأداء البدني والحيوي بشكل لحظي. فهذه الأجهزة تستطيع متابعة معدل نبض القلب، ومستويات الإجهاد، واستهلاك الطاقة، والسرعة، والتسارع، والمسافات المقطوعة، وغيرها من المؤشرات المهمة التي تساعد الأجهزة الفنية والطبية على اتخاذ قرارات فورية تحافظ على سلامة اللاعبين وترفع من جاهزيتهم البدنية. والأهم من ذلك أن الجامعات الأردنية قادرة على تطوير حلول محلية مبتكرة في هذا المجال، بما يخفف من كلفة الاعتماد على الأنظمة المستوردة ويعزز المحتوى التكنولوجي الوطني.

وفي الوقت الذي تتجه فيه دول العالم نحو الاستثمار في اقتصاد الرياضة، يمكن لهذا التوجه أن يفتح أمام الأردن قطاعًا اقتصاديًا جديدًا يقوم على الابتكار الرياضي. فالمشاريع المرتبطة بتحليل البيانات الرياضية، وتطوير التطبيقات الذكية، وتصميم أجهزة الاستشعار، وبناء منصات إدارة الأندية، وتطوير تقنيات التدريب الافتراضي، جميعها تمثل فرصًا واعدة للشركات الناشئة ولطلبة الجامعات ورواد الأعمال. كما يمكن أن تسهم في خلق وظائف نوعية للشباب الأردني تجمع بين التكنولوجيا والرياضة، وتدعم التوجه الوطني نحو الاقتصاد الرقمي القائم على المعرفة.

ومن المهم كذلك أن يترافق هذا التحول مع تطوير البرامج الأكاديمية في الجامعات الأردنية، من خلال استحداث مساقات وتخصصات فرعية تربط بين الرياضة والتكنولوجيا، مثل تحليل الأداء الرياضي، وعلوم البيانات الرياضية، والذكاء الاصطناعي في الرياضة، وإدارة التكنولوجيا الرياضية. فالمستقبل سيحتاج إلى جيل جديد من الخبراء القادرين على فهم الرياضة بلغة الأرقام والبيانات، تمامًا كما يفهمها المدربون بلغة الخطط والتكتيك.

إن بناء كرة قدم أردنية أكثر تطورًا لا يعني تقليد التجارب العالمية بصورة حرفية، بل الاستفادة من أفضل ما وصلت إليه هذه التجارب وتكييفه مع خصوصية البيئة الأردنية وإمكاناتها. فلكل دولة نموذجها الخاص الذي ينبع من ثقافتها ومواردها وطبيعة لاعبيها، والنجاح الحقيقي يكمن في القدرة على المزج بين الخبرة المحلية والتكنولوجيا الحديثة ضمن رؤية وطنية واضحة المعالم. ومن هنا فإن إطلاق مبادرة وطنية شاملة تجمع الجامعات والاتحاد الأردني لكرة القدم والقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية تحت مظلة واحدة قد يشكل نقطة تحول تاريخية في مسيرة الرياضة الأردنية.

لقد أثبت الأردن في أكثر من مجال أنه قادر على تحقيق إنجازات تتجاوز حجم موارده عندما يستثمر في الإنسان والعلم والمعرفة. واليوم تقف كرة القدم أمام فرصة مماثلة، فالمستقبل لن يكون للأكثر إنفاقًا فقط، بل للأكثر قدرة على توظيف التكنولوجيا والبحث العلمي والابتكار. وعندما تتحول الجامعات الأردنية إلى شريك فاعل في صناعة القرار الرياضي، وعندما تصبح البيانات جزءًا من الثقافة الرياضية اليومية، وعندما تتكامل الرؤية الوطنية الداعمة للتحديث مع طموحات الشباب الأردني، فإن الطريق نحو بناء منظومة كروية تنافسية ومستدامة سيكون أكثر وضوحًا وواقعية، وسيتحول حلم الوصول إلى مصاف الدول الرائدة في كرة القدم الحديثة من طموح مشروع إلى هدف قابل للتحقيق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :