من دم الثورة إلى عز الدولة حكاية وطن لا ينحني
م. محمد العمران الحواتمة
10-06-2026 12:12 PM
في العاشر من حزيران لا يقف الأردنيون أمام ذكرى عابرة بل أمام محطة وطنية تختصر حكاية قرن كامل من الكرامة والتضحيات والإنجازات . ففي هذا اليوم تلتقي ذكرى الثورة العربية الكبرى بيوم الجيش العربي لتروي للأجيال قصة وطن ولد من رحم التحديات ونشأ على قيم العزة والحرية واستمر رغم كل ما مر به من ظروف وأحداث .
عندما انطلقت الثورة العربية الكبرى لم تكن مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية بل كانت مشروع نهضة وحلم أمة أرادت أن تستعيد قرارها وكرامتها . كانت صرخة عربية مدوية أعلنت أن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحياة لا يمكن أن تبقى أسيرة للظلم أو التبعية ومن تلك الصرخة بدأت ملامح مرحلة جديدة صنعت تاريخ المنطقة وأرست أسس الدولة الأردنية الحديثة .
ومن راية الثورة التي حملها الأجداد انطلقت مسيرة بناء الدولة الأردنية . دولة لم تعتمد يوماً على وفرة الموارد بقدر ما اعتمدت على وفرة الرجال ولم تواجه التحديات بالضجيج والشعارات بل بالحكمة والعمل والإيمان. وعلى امتداد العقود أثبت الأردن أن قوة الدول لا تقاس بحجمها الجغرافي بل بصلابة مؤسساتها ووحدة شعبها وثبات قيادتها .
وفي قلب هذه المسيرة الوطنية وقف الجيش العربي شاهداً على كل مراحل البناء والعطاء . جيش لم يكن مجرد قوة تحمي الحدود بل مؤسسة صنعت معاني الانتماء والتضحية والفداء ، فمن بين صفوفه خرج الشهداء الذين ارتقوا دفاعاً عن الوطن والأمة ومن مواقعه بقيت عيون الرجال ساهرة حتى ينعم الأردنيون بالأمن والاستقرار ، ولهذا لم يكن الجيش يوماً جزءاً من قصة الأردن بل كان أحد أهم عناوينها .
وحين يتحدث الأردنيون عن جيشهم فإنهم يتحدثون عن أبنائهم وإخوتهم وآبائهم ، يتحدثون عن رجال حملوا شرف الخدمة قبل أن يحملوا السلاح وعن أبطال آمنوا أن حماية الوطن مسؤولية لا تقبل التردد ، لذلك بقي الجيش العربي حاضراً في وجدان الأردنيين رمزاً للعزة والكبرياء وامتداداً طبيعياً لقيم الثورة العربية الكبرى ومبادئها .
أما القيادة الهاشمية فقد حملت رسالة الثورة جيلاً بعد جيل وحافظت على البوصلة الوطنية وسط منطقة لم تهدأ فيها الأزمات يوماً ، ومنذ تأسيس الدولة وحتى اليوم بقيت العلاقة بين القيادة والشعب قائمة على الثقة والانتماء والشعور المشترك بالمسؤولية تجاه الأردن ومستقبله ، وفي عهد جلالة الملك عبدالله الثاني واصل الوطن مسيرته بثبات محافظاً على أمنه واستقراره ومواقفه القومية والإنسانية رغم حجم التحديات المحيطة به .
وربما كانت أعظم قوة يمتلكها الأردن هي شعبه ، ذلك الشعب الذي أثبت في كل محطة أن الانتماء ليس شعاراً يرفع في المناسبات بل سلوك يترجم في المواقف ، شعب عرف كيف يصبر وكيف يعمل وكيف يحافظ على وحدته الوطنية كلما حاولت الظروف أن تفرض عليه اليأس أو الانقسام ، ولهذا بقي الأردن قوياً بأهله كما بقي قوياً بجيشه وقيادته .
وفي هذه المناسبة الوطنية العزيزة لا نستحضر الماضي لنقف عنده بل لنستمد منه القوة للمستقبل ، نستذكر تضحيات الأجداد لنحافظ على ما بنوه ونستذكر بطولات الجيش لنزداد إيماناً بقيمة الوطن ونستذكر مسيرة الدولة الأردنية لنؤكد أن ما تحقق لم يكن صدفة بل ثمرة عقود من العمل والإخلاص والتضحية .
هكذا كانت الحكاية منذ البداية وهكذا ستبقى ، فمن دم الثورة ولدت الإرادة ومن تضحيات الرجال قامت الدولة ومن عزيمة الأردنيين استمر الوطن شامخاً . ولذلك لم يكن الأردن يوماً وطناً ينحني أمام الصعاب بل وطناً كلما اشتدت عليه الريح ازداد رسوخاً وكلما عظمت التحديات ازداد قوة وثقة بنفسه .
إنها حكاية الأردن .... من دم الثورة إلى عز الدولة .... حكاية وطن لا ينحني .