حتمية المواجهة الثقافية الاردنية الاسرائيلية
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
10-06-2026 02:02 PM
عندما عرض نتنياهو خريطة اسرائيل المتصورة للاعلام تشكل لدي قناعة ان هنالك تيار اسرائيلي ما زال مصرا على اسقاط قصص التوراة على جغرافية المنطقة حتى لو كان ذلك عكس الادلة العلمية و الاثرية.
الثقافة و الارث التاريخي هما اداة الشرعية لاي مشروع سياسي او عسكري لذلك هنالك حتمية صدام ثقافي مع الاردن التي تمتلك شرعية ثلاثية (التراث الاثري، المجتمع العشائري و القيادة الهاشمية) و يدعم هذه الشرعية الادلة العلمية و الاثرية و التاريخية مما يجعل مواجهتها بشكل مباشر من ذلك التيار الاسرائيلي مكلفة و خاسرة. لذلك برأيي ستكون شكل المواجهة باحتوائها و تطويقها من المحيط و محاولات ضرب الشرعية في عمقها.
مشروع السردية الاردنية هي فكرة رائعة في هذا الصدام ان تم تنفيذها بحيث تخدم و تعزز الشرعية الثقافية الثلاثية اما ان انحرفت بوصلتها الى سردية احداث اجتماعية و سرد تاريخي عام فإنها ستخدم الطرف الآخر لذلك ساغوص قليلا في الشرعيات الثلاث:
شرعية القيادة الهاشمية التي يمتد نسبها الى النبي محمد عليه السلام و بالتالي الى النبي اسماعيل و النبي ابراهيم بالتالي تمتلك الشرعية الدينية و شرعية النسب النبوي و شرعية قيادة ابناء اسماعيل اي العرب.
الشرعية الاجتماعية العشائرية بالتالي هي شرعية الوجود على الارض من الاف السنين و لا ينتقص منه بل يعززه حركة العشائر في في بلاد الشام و الجزيرة العربية فهذا نمط حياة لكنه ايضا اثبات للملكية التاريخية لهذه الارض. و انني لاعجب لبعض الطروحات الداخلية التي تصور الاردنيين بانهم جميعا قادمون من الجزيرة العربية حديثا رغم ان فحص الحمض النووي و البصمة الجينية (الهابلوتايب) تثبت ان اغلب الاردنيين على الارض الاردنية موجودون منذ الاف السنين لا بل ان الحمض الجيني لرفات عين غزال يتماثل مع الحمض الجيني لكثير من العشائر الاردنية و لعشائر قضاعة التي كانت شعب الاردن في العصور القديمة.
شرعية الارث التاريخي فتتمثل بان تحول الانسان من صائد لاقط الى استئناس الحيوانات (مصائد الغزلان) ثم الزراعة (شمال شرق المفرق) ثم تطوير الزراعة (سد جاووا) ثم انتاج الفنون التي تعبر عن الاستقرار و الروحانية (تماثيل عين غزال) ثم انتاج المعادن (النحاس، القصدير، البرونز، الحديد) في وادي عربة و مناطق شرق عمان، جميع هذه الدلائل ان رحلة الانسان القادم من افريقيا بدأت من الاردن كما تحدث و كتب بذلك عديد من الباحثين و منهم الشيخ سلطان القاسمي.
ثم ان نشوء ممالك مؤاب و عمون و أدوم سبق و تزامن مع وجود القبائل اليهودية ان هذه الشعوب هزمت القبائل اليهودية و منعتها من الاستيطان في الاردن.
الانباط و هم اول حضارة عربية (لان الاستيطان العربي سبق ذلك باثني عشر الف عام) و هم ابناء قيدار بن النبي اسماعيل و من الاردن ظهرت الكتابة العربية الشمالية التي تحولت من الحروف الصفائية و السريانية الى النبطية ثم العربية الشمالية (العربية الفصحى).
أما الاردن الحديث فقد نشأ من رحم نفس النظام العالمي الذي نشأت منه دول المنطقة من العراق و سوريا و تركيا و مصر و الدول الاخرى (المانيا و ايطاليا نشأت حوالي 1871) و كان ذلك بناء على معاهدة وستفاليا التي حددت الدول بحدود جغرافية ترث ما عليها من شعوب و تاريخ و ارث ثقافي و هويات فرعية تجمعها هوية واحدة هي الهوية الوطنية. تجسد هذا النظام بشكل اوضح بعد الحرب العالمية الاولى مع تعديلات طفيفة بعد الحرب العالمية الثانية كما حدث في الحدود البولندية و الالمانية و الروسية (كالينغراد). لذلك و ردا على من يركزون على الاردن في معاهدة سايكس بيكو فإن نشوء الاردن هو نفس نشوء معظم دول العالم بغض النظر عن نوايا السياسيين في الدول المهيمنة في حينه و لم نرى من هؤلاء تركيز على نشوء المانيا او ايطاليا او بولندا او العراق او تركيا او سوريا او الدول الاسيوية او الافريقية.
ما سيلجأ اليه الطرف الآخر برأيي لنزع او خلخلة الشرعية قد يكون الاحتواء بتطويق الاردن او ضرب الشرعية من الداخل من خلال روايات وهمية مثل ان فلسطين او سوريا تاريخيا تشمل الاردن و ذلك لنقل الصراع الثقافي من فلسطيني اسرائيلي الى عربي عربي. طبعا هنالك تيارات متعددة تلتقي اهدافها مع هذه الطروح منهم من ايقن بالهزيمة و يريد نقل المواجهة الى الاردن لظنه خطأ انها اسهل و اقل كلفة و من هذه التيارات من شوه الطروحات الدينية و القومية فاصبح يخدم الطرح الاسرائيلي بحسن او سوء نية.
المعركة القادمة لها اوجه متعددة سياسية و اقتصادية و ثقافية و امنية ما دام ان التيار الحالي في اسرائيل يصر على اسقاط الروايات التاريخية و الدينية على المنطقة. سياسيا تعتبر الاردن بالقيادة الهاشمية بلد كبير سياسيا و متماسك امنيا. يبقى الوضع الداخلي يحتاج لادارة حكومية مختلفة توفر المناعة الثقافية و تخاطب الشعب بعقليته و قيمه و اما ثقافيا فهنالك محاولات لكنها للأسف ما زالت تركز على السردية الاجتماعية الحديثة و لا توجه جهودها نحو الهدف الذي اتوقع هو المقصود من طرح سمو ولي العهد و هو تعزيز و اظهار و تأكيد الشرعيات الثقافية الاردنية الثلاث؛ شرعية القيادة الهاشمية، الشرعية المجتمعية العشائرية الممتدة تاريخيا و شرعية التراث الاثري و الاستيطانات لاسلاف الاردنيين.