إسرائيل الكبرى .. ما الذي لا يُقال في خرائطها؟!
محمود الدباس - أبو الليث
10-06-2026 04:52 PM
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية عن العنوان.. هل يمكن لهذا المشروع.. أن يتحقق فعلاً على أرض الواقع؟!..
كلما ظهرت خريطة.. أو تصريح يتحدث عن إسرائيل الكبرى.. ينشغل الناس بالسؤال التقليدي.. كيف للكيان الإسرائيلي احتلال هذه المساحات الشاسعة.. وتهجير أهلها وفرض سيطرتها العسكرية عليها؟!..
والحقيقة أن هذا السؤال.. رغم أهميته.. قد لا يكون السؤال الأهم..
فالتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا تقول.. إن السيطرة العسكرية المباشرة على ملايين البشر المنتشرين في دول ومجتمعات مختلفة.. ليست مهمة سهلة ولا قليلة الكلفة.. بل إن تجارب العقود الماضية.. أثبتت أن الشعوب قد تُهزم في معركة.. لكنها لا تتخلى بسهولة عن هويتها وأرضها وذاكرتها..
ولهذا فإن من الخطأ.. أن نحصر فهمنا لأي مشروع توسعي في صورة الجندي والدبابة والحاجز العسكري فقط.. لأن العالم تغير.. وأصبحت أدوات النفوذ أكثر تعقيداً وأقل صخباً..
فالدول الكبرى.. أو من تمتلك الفكر التوسعي.. اليوم هي لا تحتاج دائماً إلى احتلال الأرض.. لكي تؤثر في قرارات الآخرين.. بل قد يكفي أن تصبح مركزاً للتكنولوجيا.. أو التجارة.. أو الطاقة.. أو المال.. أو الممرات اللوجستية.. بحيث يجد الآخرون أنفسهم مرتبطين بها اقتصادياً وسياسياً.. إلى درجة تجعل الاستغناء عنها أمراً بالغ الصعوبة..
ومن هنا.. فإن الخطر الحقيقي لا يتمثل بالضرورة في احتلال عسكري واسع.. بقدر ما يتمثل في نشوء حالة من التبعية السياسية.. أو الاقتصادية.. أو التكنولوجية تجعل بعض الدول أقل قدرة على اتخاذ قراراتها باستقلالية كاملة..
لكن مواجهة هذا النوع من التحديات.. لا تحتاج إلى شعارات غاضبة.. ولا إلى الدخول في صدامات غير محسوبة مع القوى الكبرى.. وإنما تحتاج إلى عمل هادئ وطويل النفس..
تحتاج إلى اقتصاد منتج لا استهلاكي.. وإلى تعليم قادر على إنتاج المعرفة لا استيرادها فقط.. وإلى تنويع الشركاء التجاريين.. وعدم رهن المصالح الوطنية بطرف واحد مهما كانت قوته.. كما تحتاج إلى الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة والمياه والأمن الغذائي..
كما أن تطوير الممرات التجارية الإقليمية والدولية.. وفتح أسواق جديدة.. وربط المصالح الاقتصادية مع أكبر عدد ممكن من الدول.. يقلل من قدرة أي طرف على احتكار النفوذ.. أو فرض التبعية على الآخرين..
إن الدول لا تحمي استقلالها بالشعارات وحدها.. بل ببناء عناصر القوة التي تجعل الآخرين بحاجة إليها أيضاً..
لذلك فإن النقاش حول إسرائيل الكبرى.. يجب أن ينتقل من سؤال.. هل ستأتي الجيوش لاحتلالنا؟!.. إلى سؤال أكثر أهمية.. هل نمتلك مناعة اقتصادية وتكنولوجية وسياسية ولوجستية كافية.. تمنع أي طرف من تحويلنا إلى تابع له؟!..
فإذا امتلكنا هذه المناعة.. تصبح الخرائط مجرد أوراق.. وتتحول الأحلام التوسعية.. إلى أمنيات يصعب تحقيقها.. وتبقى الأوطان قادرة على حماية قرارها ومستقبلها.. بإرادة أبنائها.. وقوة مؤسساتها..