من نهر المعمودية إلى أرض الملجأ .. رحلة أردني على خطى العائلة المقدسة في مصر
عبدالرحيم العرجان
10-06-2026 08:49 PM
في تاريخ الأمم لحظات تبقى خالدة، لا لأن الزمن توقف عندها، بل لأنها تجاوزت حدود الحدث لتصبح رمزًا وقيمة ورسالة تتناقلها الأجيال. ومن بين هذه اللحظات المضيئة في تاريخ مصر، تبرز ذكرى دخول العائلة المقدسة إلى أرضها المباركة؛ تلك الرحلة التي لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت شهادة تاريخية على الدور الإنساني والحضاري والروحي الذي اضطلعت به مصر عبر العصور.
قبل أكثر من ألفي عام، كانت أسرة صغيرة تشق طريقها وسط المخاطر والأهوال؛ أم تحمل طفلها بين ذراعيها، ورجل صالح يسهر على حمايتهما، وطفل قُدّر له أن يصبح إحدى أعظم الشخصيات في التاريخ الإنساني. هربت العائلة المقدسة من بطش وظلم الحاكم هيرودس، باحثة عن الأمان والطمأنينة، فلم تجد ملاذًا أكثر أمنًا واحتضانًا من مصر.
ولم يكن ذلك الحدث عابرًا في الذاكرة الدينية أو التاريخية، بل تحول إلى جزء أصيل من وجدان المصريين والعالم جمعاء، وإلى صفحة مضيئة تؤكد أن هذه الأرض كانت، منذ القدم، موطنًا للسلام وملاذًا للمستضعفين وملجأً لكل من ضاقت به السبل.
وقد احتفى التراث المسيحي بهذه الرحلة المباركة باعتبارها من أعظم الأحداث المرتبطة بسيرة الخلاص، حيث حظيت مصر بشرف استضافة النبي السيد المسيح وأمه السيدة العذراء مريم والقديس يوسف النجار. ومنذ ذلك الحين ارتبطت عشرات المواقع المصرية بذكريات هذه الرحلة، لتتحول إلى معالم روحية وتاريخية يقصدها المؤمنون من مختلف أنحاء العالم.
غير أن خصوصية هذه المناسبة في مصر تنبع من كونها تتجاوز الإطار المسيحي لتلامس وجدان المسلمين أيضًا. فالسيدة مريم عليها السلام تحتل مكانة استثنائية في العقيدة الإسلامية، وقد خصها القرآن الكريم بمكانة لم تنلها امرأة أخرى، فجاء ذكرها بالتكريم والتبجيل، وخُلّد اسمها في سورة كاملة تحمل اسمها. أما السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، فهو نبي كريم ورسول عظيم من أولي العزم، يحظى بمحبة المسلمين واحترامهم وإجلالهم.
ومن هنا تصبح ذكرى العائلة المقدسة مناسبة يلتقي عندها المصريون وسائر البشر حول معانٍ مشتركة تتجاوز الاختلافات العقدية، وتؤكد وحدة القيم الإنسانية التي جاءت بها الرسالات السماوية. فالإيمان بالله، والرحمة بالمحتاج، ونصرة المظلوم، وإكرام الغريب، وحماية المستضعف، كلها مبادئ رسختها الأديان وأكدتها التجارب الإنسانية الكبرى.
ولعل أعظم ما تحمله هذه الذكرى هو بعدها الإنساني العميق. فالعائلة المقدسة، في جوهر قصتها، أسرة اضطرت إلى مغادرة وطنها خوفًا على حياة طفلها. إنها صورة إنسانية تتكرر في كل عصر، حيث يفر الناس من الحروب والاضطهاد والعنف بحثًا عن مكان آمن يأويهم. ولهذا تبقى رحلة العائلة المقدسة رسالة عالمية تدعو إلى التعاطف مع اللاجئين والمشردين والمحتاجين، وتذكر البشرية بأن الكرامة الإنسانية لا تعرف حدودًا ولا جنسية ولا دينًا.
لقد عرفت مصر عبر تاريخها الطويل كيف تمارس هذا الدور الحضاري، فكانت ملتقى للحضارات ومركزًا للتفاعل الثقافي والديني، واستطاعت أن تقدم نموذجًا فريدًا للتعايش والتسامح. ولم يكن هذا الدور وليد لحظة تاريخية بعينها، بل امتدادًا لطبيعة مجتمع تشكل عبر آلاف السنين على قيم الانفتاح والاحتواء واحترام التنوع. كما نستذكر ما تركته رحلة مسار العائلة المقدسة، الممتدة عبر ربوع مصر، من أثر روحي وثقافي يعكس عمق هذا الإرث الحضاري.
واليوم، ونحن نحيي ذكرى دخول العائلة المقدسة إلى مصر، فإننا لا نستدعي الماضي من أجل الحنين إليه فحسب، بل نستحضره لنستلهم منه الدروس والعبر. فالعالم الذي يعاني من النزاعات والانقسامات والتوترات يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثقافة الحوار والمحبة وقبول الآخر. ومصر التي احتضنت العائلة المقدسة بالأمس ما زالت قادرة على أن تقدم للعالم رسالة سلام وتعايش مستمدة من تاريخها العريق وتجربتها الحضارية.
ستبقى مصر، كما كانت عبر التاريخ، أرضًا للمحبة، وجسرًا للتلاقي بين الثقافات والأديان، وواحةً للسلام في عالم يحتاج إلى السلام. وستبقى ذكرى دخول العائلة المقدسة إليها شاهدًا خالدًا على أن الخير الذي يُزرع في الأرض يبقى أثره ممتدًا عبر القرون، وأن الرحمة التي تستقبل إنسانًا واحدًا قد تتحول إلى رسالة تلهم الإنسانية جمعاء.