facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المال ليس النقود


إبراهيم غرايبة
11-06-2026 12:18 AM

في المنظور الكلي للاقتصاد يجب أن تعكس الوظائف نموا اقتصاديا، بالطبع يفيد التوظيف من غير نمو اقتصادي في إعادة توزيع الثروة، حتى الأعمال الرثة والهامشية وغير المنتجة تفيد في إعادة توزيع الثروة لكن ذلك لا يعتبر تقدما اقتصاديا واجتماعيا، وعلى مدى متوسط فإن الأعمال غير الحقيقية أو غير المنتجة أو الرثة التي تخلقها الطبقات الغنية لأجل راحتها؛ تنشئ أزمة اقتصادية واجتماعية.

تحتاج كل وظيفة جديدة الى نمو اقتصادي لا يقل عن مائة الف دينار. طبعا فيه وظائف يولدها مبلغ صغير، وبعضها يحتاج إلى مليون وأكثر. لكن العبرة بالمحصلة النهائية. عربة بيع قهوة أو ترمس على الرصيف لا تحتاج أكثر من ألف دينار ويمكن أن توفر لصاحبها دخلا يصل إلى ألف دينار شهريا، لكن ذلك يعكس في المقابل عمليات استهلاك واستيراد تخفض الناتج المحلي، وفي المقابل فإن محل تصليح أحذية لا يولد فقط وظيفة لصاحب المصلحة، لكنه أيضا يخفض الهدر والاستيراد؛ ما ينعكس على الاقتصاد الوطني بفائدة لا تقل عن دخل العامل و أو صاحب المصلحة، أما إذا كان العامل وافدا، فإن حوالات العامل إلى الخارج تضيع على البلد مثل أو أكثر من المكاسب التي يحصلها المشروع. وكذا المزارع المتقدمة التي تشغل عمالة وافدة وتستهلك الماء والأرض وتصدر منتجات لمستهلك متعجرف في الخارج وتهدر في الفرص والموارد أكثر من قيمة الصادرات، والعمل في الخارج برغم ما ينتج عنه من حوالات خارجية فإنها غالبا لا تساوي ما أنفقته الدولة والمجتمعات والأسر على تأهيل الشباب، وتضيع على الاقتصاد الوطني أهم موارده وهي رأس المال البشري كما أنها أموال تعكس نشاطا اقتصاديا في الخارج وليس في البلد، إذ أن الرواتب والاجور يجب أن تعكس نشاطا اقتصاديا يراوح بين ثلاثة إلى عشرة أضعاف قيمتها، كما أنها تعكس تغييب عمليات اجتماعية إيجابية، وتنشئ عيوبا اجتماعية وثقافية تهدر كثيرا من الموارد وتشكل ضغطا على الإنفاق العام والخاص.

إن احتساب الثروة بالنقود عملية رمزية لكن الثروة اكبر وأشمل من ذلك بكثير. امتلاك بيت للإقامة والسكن فيه على سبيل المثال لا يحتسب بثمن البيت والأرض المقامة عليه. بل إن الأرض في الأردن لم تكن بقدر بثمن حتى ثلاثينات القرن العشرين. وتشير سجلات الدولة العثمانية إلى أن عمليات بيع الأراضي كانت محدودة جدا بين الشركاء والجيران. وقد عشنا فقاعة مالية واقتصادية بعد عمليات احتساب الأرض مقابل المال وخاصة في المدن، وصار اللوبي العقاري أساس تخطيط العاصمة والمدن الكبرى دونا اعتبار للقوانين التاريخية لاستخدامات الأراضي.

لا يمكن بالطبع إنكار أهمية المال في التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وكما يقول جاكونبرونوفسكي: "صعود المال كان ضروريًا لصعود الإنسان؛ فبالإضافة إلى كونه مشابهًا لعمل العلقة التي تمتص دماء الحياة من العائلات المدينة والمقامِرة ومدخرات الأرامل والأيتام فإن التجديد المالي كان عاملاً لا غنى عنه في تقدم الإنسان من مجرد الكفاف شديد الفقر إلى علياء الرخاء المادي الذي يعرفه كثير من الناس اليوم، وكان تطور الائتمان والقروض مهمًا كأي تجديد تكنولوجي في الإسهام في ظهور الحضارة منذ بابل القديمة حتى هونغ كونغ الحاضرة".
لقد كان المال هو السر وراء كل ظاهرة تاريخية عظيمة؛ فقد أوجد عصر النهضة ازدهارًا كبيرًا في سوق الفن والهندسة المعمارية لأن المصرفيين الإيطاليين جمعوا ثروات من خلال تطبيق الرياضيات الشرقية على المعاملات المالية، وتفوق الهولنديون على إمبراطورية هابسبرغ بامتلاك أول بورصة عالمية، كانت أفضل من مناجم الفضة.

كان اكتشاف الذهب والفضة في القارة الجديدة في أوائل القرن السادس عشر تحولاً كبيرًا في الثروة والقوة، وقد استولت إسبانيا على 45 ألف طن من الفضة الخالصة بين عامي 1556–1783، وبذلك فقد وجّهت ضربة قاصمة للهيمنة العربية والإسلامية على سوق المال والتجارة، ولكن هولندا تفوقت على إسبانيا؛ عندما لم يستطع الإسبان فهم أن قيمة المعادن الثمينة ليست مطلقة؛ إذ تساوي القيمة التي يستعد الآخرون أن يدفعوها مقابلها.

يقول نيال فرغسون في كتابه صعود المال: "النقود مسألة اعتقاد، إيمان بالشخص الذي يدفع لنا، ومن يصدرها لنستخدمها، والمؤسسة التي تقبل الشيكات والتحويلات الصادرة عنها. المال ليس معدنًا، ولكنه الثقة منقوشة، سواء كان هذا النقش على الذهب والفضة أو الورق أو الصلصال (بابل) أو الكريستال السائل أو الصدف (المالديف) أو الأقراص الحجرية المستخدمة في جزر المحيط الهندي، وفي العصر الإلكتروني يمكن أن يكون اللاشيء نقودًا، وليس مصادفة أن أصل كلمة credit "ائتمان" هو كلمة credo وتعني في اللاتينية "أنا أصدِّق"

كانت العرب ترى أن أفضل المال فرس في بطنها فرس تتبعها فرس. ثم عين خرارة في أرض خوارة تعول ولا تعال. وأما الذهب والفضة فجبلان يصططان إن أخذت منهما نفدا وإن تركتهما لم يزيدا. وفي الشعر العربي البدوي سخرية من الفلاحين الذين يرون المال في الزرع.

يقول الأعشى:
لسنا كمن جعلت إيَادٌ دارها ... تَكْرِيتَ تنظر حَبَّها أن يُحْصَدَا
جعل الإلهُ طعامنا في مالنا ... رزقًا تضمَّنه لنا لن يَنْفَدَا

في عام 1924 دعا جون مينارد كينز إلى التخلي عن قاعدة الذهب، وهناك اتفاق الآن على صحة ذلك، وفي عام 1971 أغلق الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون نافذة الذهب التي كان يمكن فيها مبادلة الدولارات في ظروف محددة بعينها بالذهب، واعتبارًا من ذلك التاريخ كُسرت الحلقة التي استمرت لقرون تربط بين المال والمعادن الثمينة، ويبدو أن الحقيقة التي لا مهرب منها هي أن كسر الحلقة بين خلق النقود ومصدر استقرارها أدى إلى توسع نقدي غير مسبوق، رافقته زيادة كبيرة في الإقراض لم يشهد لها العالم مثيلاً.

كيف تحدث الأزمات المالية والاقتصادية؟ وكيف يمكن تفاديها؟ يتساءل نيال فيرغسون والذي يؤكد على أن المستقبل امتداد للحاضر، ويمكن توقع الأزمات في ضوء التاريخ، لكن تكرار الأزمات وتعقيدها يجعل تفسيرها أصعب بكثير من دراستها تاريخيًا. لقد حدثت في القرن العشرين -كما يقول فيرغسون- تسع أزمات اقتصادية كبرى، ويبدو فهمها وتحليلها أمرا مهمًا اليوم وشاغلاً لجميع الناس في كل مواقعهم، القادة السياسيين والاقتصاديين والمثقفين والناشطين والمواطنين بعامة الذين يتضررون بسبب الأزمات ويدفعون ثمنها من مدخراتهم وفرصهم.

يلخص فيرغسون دروس التاريخ بأن سوء الإدارة يبدد الموارد، هذا ما حدث لإسبانيا في القرن السابع عشر عندما لم تفدها الكميات الهائلة من الفضة التي حصلت عليها من القارة الجديدة وما حصل مؤخرًا للأرجنتين عندما حول سوء الإدارة قصة النجاح إلى قصة فشل!

ويعتبر كارل بولانيي في نظر كثير من المفكرين والمخططين الاقتصاديين -مثل جوزيف إ. ستيغليتز الحائز على جائزة نوبل- أهم مفكر اقتصادي للقرن العشرين، ويقدم كتابه (التحول الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزماننا المعاصر)؛ والذي صدر في العام 1944 وما زال يعاد نشره حتى اليوم، أفكارًا تخاطب شؤون عصرنا الحاضر.

وبرأي ستيغلتز، فإن أهم طروحات بولانيي أن فكرة التنظيم الذاتي للسوق فاشلة، واليوم (يقول ستيغلتز) لم يعد يوجد أي تأييد فكري محترم لفكرة أن الأسواق في حد ذاتها يمكن أن تؤدي إلى نتائج فعالة، ولا عادلة، وهناك اليوم إجماع عام على أهمية تنظيم الحكومة للأسواق المالية، ولكن ثمة خلاف على أفضل الطرق للقيام بذلك. يتحدث ستيغليتز بالطبع عن أزمة 2007 والتي ترد إلى فلسفة تنظيم السوق نفسها بنفسها.

ويؤكد بولانيي العلاقة المتبادلة بين مذاهب سوق العمالة الحرة، والسوق الحرة، والآلية المالية للتنظيم الذاتي ذي معيار الذهب، لكن من المؤكد اليوم أن اقتصاد التنظيم الذاتي لا يعمل بالمستوى الجيد الذي يرغب أنصاره أن نؤمن به، حتى صندوق النقد الدولي المؤمن بنظام السوق الحرة فإنه منظمة تتدخل بانتظام في أسواق سعر الصرف، فتؤمّن الأموال لإخراج الدائنين الأجانب في الوقت الذي تسعى فيه لرفع أسعار الفائدة التي تؤدي بالشركات المحلية إلى الإفلاس، ويؤكد بولانيي العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع، وكيفية تأثير النظم الاقتصادية في علاقات الأفراد بعضهم ببعض، ونتحدث اليوم عن رأس المال الاجتماعي.

ويلاحظ بولانيي أيضًا تداخل السياسة والاقتصاد بعضهما ببعض تداخلاً معقدًا؛ فالفاشية والشيوعية لم يكونا نظامين اقتصاديين بديلين فقط، بل كانا يمثلان خروجًا مهمًا عن تقاليد السوق الحرة، ولكن (يقول بولانيي) الفاشية مثلها مثل الاشتراكية تأصلت في مجتمع السوق الذي رفض أن يقوم بدوره، فكانت فترة الذروة بالنسبة إلى العقائد التحررية الجديدة هي على الأغلب بين 1990-1997 بعد سقوط جدار برلين وقبل حدوث الأزمة المالية العالمية.

ولسوء الحظ، كما يقول ستيجلتز، فإن خرافة الاقتصاد ذي التنظيم الذاتي لا تمثل توازنًا لهذه الحريات؛ لأن الفقراء يعانون شعورًا أكبر بعدم الاستقرار، وفي بعض البلدان ارتفع عدد الفقراء، وعند هؤلاء توجد حرية أقل، وتحرر أقل من الجوع والخوف.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :