مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد .. إصلاح حقيقي أم إعادة إنتاج للمشهد ذاته؟
د. عمر عكاشة المقابلة
13-06-2026 03:35 PM
لا خلاف على أن منظومة الإدارة المحلية في الأردن بحاجة إلى مراجعة جادة وعميقة، ولا يختلف اثنان على أن البلديات تعاني منذ سنوات من اختلالات مالية وإدارية أثرت على قدرتها في تقديم الخدمات وتحقيق التنمية المحلية. إلا أن ما طرحه وزير الإدارة المحلية المهندس وليد المصري في احد الصالونات الثقافية حول مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد يثير تساؤلات عديدة تتجاوز الشعارات العامة نحو جوهر الإصلاح الحقيقي المطلوب.
فالحديث عن إعادة بناء منظومة الحكم المحلي، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع المشاركة الشعبية، وتمكين البلديات اقتصادياً، هو حديث إيجابي من حيث المبدأ، لكنه لا يكفي وحده للحكم على نجاح المشروع. فالقوانين لا تقاس بأهدافها المعلنة وإنما بمدى قدرتها على معالجة الاختلالات البنيوية التي عجزت التشريعات السابقة عن معالجتها.
أول ما يلفت الانتباه أن المشروع يتحدث عن الفصل بين المجلس البلدي والإدارة التنفيذية، بحيث يتولى المجلس رسم السياسات والرقابة، بينما تتولى الإدارة التنفيذية التنفيذ. ورغم أهمية هذا التوجه من الناحية النظرية، إلا أن التجربة الأردنية أثبتت أن المشكلة لم تكن فقط في تداخل الصلاحيات، بل في محدودية الصلاحيات الممنوحة أصلاً للمجالس المنتخبة. فكيف يمكن لمجلس بلدي أن يضع السياسات ويراقب الأداء بينما تبقى العديد من القرارات الجوهرية خاضعة للموافقات المركزية أو للرقابة المسبقة من الوزارة؟
كما أن المشروع يتحدث عن تعزيز اللامركزية، لكنه لا يوضح بشكل كافٍ حجم الاستقلال المالي والإداري الذي ستحصل عليه البلديات ومجالس المحافظات. فاللامركزية الحقيقية لا تتحقق من خلال إنشاء لجان أو عقد جلسات استماع فقط، وإنما من خلال نقل صلاحيات فعلية وموارد مالية مستقلة تمكن الوحدات المحلية من اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.
أما فيما يتعلق بالأزمة المالية للبلديات، فإن الوزير أشار إلى أن الرسوم البلدية لم تعد تعكس الكلفة الحقيقية للخدمات. وهنا يبرز تخوف مشروع من أن يكون الحل المقترح عملياً هو زيادة الرسوم والأعباء على المواطنين. فالمشكلة المالية للبلديات لا ترتبط فقط بضعف الإيرادات، بل أيضاً بضعف الإدارة المالية، وغياب التخطيط الاستثماري، وتضخم الجهاز الوظيفي، وتراكم الديون، وتراجع كفاءة التحصيل.
لذلك فإن أي إصلاح مالي يجب أن يبدأ من إصلاح الإدارة قبل البحث عن جيوب المواطنين.
ومن النقاط التي تستحق النقاش أيضاً التوسع في الشراكة مع القطاع الخاص. فالشراكة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل أداة لتحقيق كفاءة أفضل. والتجارب الدولية تظهر أن نجاح هذه الشراكات يتطلب وجود أطر رقابية صارمة وشفافية عالية وضمانات تحمي المصلحة العامة. وإلا فإن بعض الأصول البلدية قد تتحول من فرصة تنموية إلى مصدر جدل وخلاف حول إدارة المال العام.
وفي جانب الديمقراطية التشاركية، فإن استحداث لجان الأحياء وعقد جلسات الاستماع العامة خطوة إيجابية، لكنها تبقى محدودة الأثر إذا لم تكن قرارات هذه اللجان وتوصياتها ملزمة أو مؤثرة فعلياً في عملية اتخاذ القرار. فالمواطن اليوم لا يبحث فقط عن فرصة لإبداء الرأي، بل يريد أن يرى أثر هذا الرأي في السياسات والمشاريع والخدمات.
كذلك فإن الحديث عن رفع نسبة تمثيل المرأة وتوسيع مشاركة الشباب وذوي الإعاقة يمثل تطوراً مهماً على المستوى السياسي والاجتماعي، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نسب التمثيل فقط، بل في بناء مجالس قادرة على ممارسة دورها بكفاءة، من خلال تطوير معايير الكفاءة والتدريب والتأهيل المؤسسي للأعضاء المنتخبين.
أما فيما يتعلق بمجالس المحافظات، فإن المشروع ما زال يثير تساؤلات حول مستقبل هذه المجالس ودورها الحقيقي. فالتجربة السابقة أظهرت وجود تداخل في الأدوار بين المجالس البلدية ومجالس المحافظات والسلطة التنفيذية. ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يحسم مسألة توزيع الاختصاصات بصورة واضحة، وأن يمنع ازدواجية القرار وتشتت المسؤوليات.
واللافت أن الخطاب الرسمي ما زال يركز على الأدوات التنظيمية والإجرائية أكثر من تركيزه على فلسفة الحكم المحلي ذاتها. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بالإجابة عن سؤال جوهري: هل نريد إدارة محلية مستقلة وقادرة على اتخاذ القرار، أم نريد إدارات محلية تنفذ سياسات مركزية بصيغ وأدوات جديدة؟
إن نجاح مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد لن يقاس بعدد المواد أو التعديلات التي يتضمنها، بل بقدرته على تحقيق ثلاثة أهداف أساسية: استقلال مالي حقيقي للبلديات، وصلاحيات واضحة للمجالس المنتخبة، ومشاركة مجتمعية مؤثرة في صنع القرار. وما لم تتحقق هذه العناصر، فإن الخشية تبقى قائمة من أن يتحول المشروع إلى تعديل شكلي جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من الإصلاحات التي حسّنت النصوص القانونية دون أن تغير الواقع المحلي بالشكل المأمول.
إن الأردن اليوم لا يحتاج فقط إلى قانون إدارة محلية جديد، بل إلى رؤية جديدة للحكم المحلي تجعل من البلديات والمحافظات شريكاً حقيقياً في التنمية، لا مجرد جهة خدمية تبحث في نهاية كل عام عن كيفية تغطية رواتب موظفيها وتسديد التزاماتها المالية.