المراجعة الرابعة لصندوق النقد الدولي والمؤشرات الاقتصادية
الدكتور علي فواز العدوان
14-06-2026 12:35 PM
مع تتزايد الضغوط الاقتصادية وتسارع التحولات الجيوسياسية، لم تعد برامج الإصلاح الاقتصادي مجرد استجابة لشروط المؤسسات المالية الدولية، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية الدول لبناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات.
ويأتي الأردن نموذجًا لدولة اختارت أن توائم بين متطلبات الإصلاح المالي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، ضمن برنامج إصلاحي متدرج بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.
وتكشف نتائج تقرير صندوق النقد الدولي بشأن حالة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية في الأردن أن المملكة حققت تقدمًا ملحوظًا في معظم المؤشرات الإصلاحية، مع استمرار العمل على عدد محدود من الملفات التي تتطلب مزيدًا من الوقت والتوافق المؤسسي.
تشير البيانات إلى نجاح الأردن في تنفيذ معظم المعايير الهيكلية المقررة ضمن المراجعتين الثالثة والرابعة للبرنامج، وهو ما يعكس قدرة المؤسسات الحكومية على الالتزام بخارطة الإصلاح الاقتصادي، ويعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية بالاقتصاد الأردني.
ومن أبرز الإصلاحات التي تم إنجازها:
تطبيق نظام جديد لتحديد رواتب موظفي الفئة الأولى في القطاع العام وفق الكفاءة والجدارة والمؤهلات، بما يعزز كفاءة الجهاز الحكومي.
توسيع تطبيق تعرفة الكهرباء حسب أوقات الاستخدام لتحسين الاستدامة المالية لقطاع الطاقة.
إلزامية الفوترة الإلكترونية لكافة المعاملات التجارية، في خطوة نوعية نحو مكافحة التهرب الضريبي وتعزيز العدالة الضريبية.
تعديل قانون العمل بما يسمح بمرونة أكبر في سوق العمل ويواكب أنماط التشغيل الحديثة.
تعديل قانون الضمان الاجتماعي لتطوير نظام إعانات التعطل وتحفيز المشاركة الاقتصادية.
نشر البيانات المالية المدققة لشركات المياه الحكومية، بما يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة.
تعزيز صلاحيات مديرية المنافسة بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية.
تطوير منهجيات الرقابة المصرفية في البنك المركزي الأردني بما ينسجم مع معايير Basel Pillar 2، الأمر الذي يعزز متانة القطاع المصرفي واستقراره.
ورغم هذا التقدم، يظهر التقرير وجود ملفين لم يتم إنجازهما ضمن الإطار الزمني المحدد، وهما:
أولًا، تنظيم تسعير الخدمات الطبية للمستفيدين من الإعفاءات الطبية بما يحقق عدالة أكبر بين القطاعين العام والخاص ويحسن كفاءة الإنفاق الصحي.
وثانيًا، اعتماد استراتيجية متوسطة الأجل للإيرادات الحكومية، والتي تأخر تنفيذها قبل أن يتم إنجازها لاحقًا خلال شهر تشرين الثاني 2025.
وهذه الملاحظات لا تعني تعثر برنامج الإصلاح، بل تعكس طبيعة الإصلاحات الهيكلية التي تحتاج إلى توافقات تشريعية ومؤسسية واسعة، خصوصًا في القطاعات ذات الأبعاد الاجتماعية.
اللافت في التقرير أن الإصلاحات لم تعد تركز على ضبط العجز المالي فحسب، وإنما امتدت إلى تحديث الإدارة العامة، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز المنافسة، وتطوير سوق العمل، وتحقيق الشمول المالي، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية.
وهذا يعكس تحولًا في فلسفة الإصلاح الاقتصادي من معالجة الاختلالات قصيرة الأجل إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية واستدامة.
انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الوطني
إن تنفيذ هذه الحزمة من الإصلاحات ينعكس على الاقتصاد الأردني بعدة مسارات، أبرزها:
رفع كفاءة الإنفاق الحكومي.
تعزيز الإيرادات الضريبية دون فرض أعباء ضريبية جديدة.
تحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.
تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية.
رفع تصنيف البيئة الاستثمارية.
زيادة قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات الأجنبية.
تعزيز الاستقرار المالي والنقدي.
كما تمنح هذه النتائج الأردن مساحة أوسع للحصول على التمويل الميسر من المؤسسات الدولية، وتخفيض كلفة الاقتراض الخارجي، في ظل التزامه الواضح بمسار الإصلاح.
ورغم ارتباط هذه الإصلاحات ببرنامج صندوق النقد الدولي، إلا أن قراءة التجربة الأردنية تشير إلى أن الحكومة سعت إلى مواءمة متطلبات البرنامج مع أولويات التحديث الاقتصادي ورؤية التحديث الإداري، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية في بناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.
فالهدف لم يعد مجرد استيفاء متطلبات المراجعات الدورية، وإنما تأسيس بيئة اقتصادية حديثة تعتمد على الكفاءة والشفافية والحوكمة الرشيدة، وتمنح القطاع الخاص دورًا أكبر في قيادة النمو وتوفير فرص العمل.
وتكشف نتائج التقرير أن الأردن نجح في إنجاز الغالبية العظمى من الإصلاحات الهيكلية المقررة، وهو إنجاز يعزز مصداقية الدولة أمام المؤسسات الدولية والأسواق المالية. ومع بقاء عدد محدود من الإصلاحات قيد الاستكمال، فإن المسار العام يؤكد أن المملكة تمضي بخطى ثابتة نحو بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات.
ويبقى التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو تحويل نجاح الإصلاحات التشريعية والمؤسسية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن من خلال تحسين مستوى الخدمات، وتحفيز الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام ينعكس على جودة الحياة والتنمية الشاملة.