بين فوهة القعقاع والبركة الملونة .. موت محقق
عبدالرحيم العرجان
13-06-2026 05:24 PM
ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر وفاة المتسلق اليمني المغامر القعقاع بن عنتر في حادثٍ مأساوي وثقته هواتف الحضور، وهو يقدّم استعراضه البهلواني في فوهة "حضرة دمث" البركانية في بلدته بمحافظة الضالع شمال اليمن، مقابل مبلغ زهيد لسدّ رمق العيش، إلا أن القدر كان أسرع، وزلّة المحترف في لحظة أودت بحياته في ظل غياب وسائل السلامة الواجب توافرها واستخدامها.
عُرف القعقاع بين أقرانه من المغامرين، واشتهر بلقب "سبايدر مان" لقدراته الفائقة على التسلق الحر دون حبال، والتشبث بأطراف أصابعه، وقيامه بحركات بهلوانية تحتاج إلى لياقة بدنية عالية وقدرة جسدية ومرونة وتوافق عضلي عصبي، ما كان يؤهله لأن يكون أحد المتسلقين العالميين المحترفين. إلا أنه، ومع غياب الاهتمام والدعم المعنوي والمادي، كان مصيره أن يلقى حتفه في مغامرته التي كانت تهدف إلى تقديم استعراض أمام المصورين أو كتابة اسم على حافة الصخور.
فكان مصرعه بالسقوط في جوف بركان بلدته دمث، البالغ عمقه 120 مترًا، وتوجد فيه مياه كبريتية تتراوح حرارتها ما بين 25 و30 درجة مئوية، وما يصاحبها من غازات وأبخرة قاتلة. وقد احتاج انتشاله إلى تضافر جهود الأهالي والدفاع المدني لمدة خمس عشرة ساعة ضمن تضاريس معقدة، تتراوح بين انحدار شديد عند الفوهة وحواف تتطلب النزول بشكلٍ هوائي، وصولًا إلى مسطح مائي أرضيته طينية موحلة قد تكون سببًا في هلاك من يحاول النزول لإنقاذه دون خبرة كافية أو معدات احترافية.
ونحن لا نلومه، فلو وجد مصدر رزق آخر يعتاش منه لما رمى نفسه إلى التهلكة بل كان يقتات بشرف، كما كان ينشر عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي. فكم من شاب قد يكون مشروع بطل طموح يُستثمر فيه ليكون فخرًا لوطنه، أو مبدعًا صاحب قصة نجاح يشار اليها بالبنان، تركناه يصارع الحياة وحده حتى خمد نوره، ثم عتبنا عليه لعدم قدرته على العيش بالبؤس وإتمام مسيرته. ولكننا لا نعي ذلك إلا بعد فوات الأوان، ونتفاخر بما لدينا من صور جمعتنا به.
إن عالم المغامرة والطموح قد ينتهي بصاحبه عند ضعف الإمكانات، الأمر الذي يستوجب توفير الأدوات والتقنيات الحديثة الداعمة لإنتاجه والمحافظة على سلامته، وهذا ما نواجهه، وكثير من الزملاء أيضًا.
ووفقًا لما نشره أنس الزقريب، فقد حدثت حالة مشابهة حين تحدّى مجموعة من الشباب أحدهم بالقفز من حافة الفوهة مقابل مبلغ من المال، فلقى حتفه في المكان نفسه، لينالوا لاحقًا العقوبة القانونية بتهمة التحريض على الانتحار، حيث حُكم على كل واحد منهم بالسجن خمس سنوات.
أجمل المسارات... أخطرها "البركة الوردية"
وهذا ما يعيدنا إلى ما نوهنا إليه عدة مرات عبر صفحات "عمون" بشأن خطر مشابه في الأردن، يُعرف باسم "البركة الملونة" أو "البركة الوردية"، الواقعة جنوبي البحر الميت، والتي تشكل خطرًا مميتًا وفقًا لتجارب أصحاب الخبرة والاختصاص وحوادث سابقة.
إلا أنه لا حياة لمن تنادي، فما زال الزوار يتوافدون إليها برحلات شخصية وعبر مجموعات، رغم وجود لافتات تحذيرية تشير إلى خطورة المكان، بل أصبحت هذه اليافطات نفسها عنوانًا ودليلًا للموقع. فالموقع غير مدرج سياحيًا، وغير مؤهل للزيارة، وإن وقعت الطامة فسوف تبتلع الأرض كل من حولها.
مرفق نص مقال تحذيري سابق نُشر بتاريخ 20/4/2025م.
البركة الملونة... من أجمل المناطق وأخطرها في المملكة
ظاهرة ليست جديدة لبرك غريبة الطبيعة زهرية اللون في محيط أخفض بقاع العالم وأجملها، والتي أصبحت قبلة للتنزه ولعشاق المسير والترحال وجلسات التصوير، ولجمع إعجابات لمؤثرين بوسائل التواصل الاجتماعي مع تجاهل التحذيرات لخطورة المكان.
الخسوفات المفاجئة
للجنوب من جسر الموجب المعلق ما بين شاطئ البحر الميت الملحي والطريق الرئيسي يتوالى ظهور العديد من البرك المائية بعض منها توشح باللون الزهري / الوردي نتيجة تجمع مياة الأمطار المختلطة بملوحة الأرض المذابة أو تسرب مياة البحر إليها عبر الشقوق بظاهرة جمالية أصبحت تستقطب العديد من المتنزهين ومجموعات المسير وهواة التصوير ومحترفيه غير مبالين بيافطات التحذير المنتشرة على طول الطريق والحاملة لعبارة «خطر ممنوع الإقتراب حفر انهدامية» لا بل وكأن هذه العبارات أصبحت دلالة للموقع حسب ما تشير.
وتشكلت هذه الحفر الشبيهة بالفوهات نتيجة خسوفات بالقشرة الأرضية إثر جفاف البحر وانخفاض مستواه السنوي المستمر حيث تتعرض المناطق الجافة الجديدة لهبوط مفاجىء نتيجة ذوبان الكتل الملحية تحت القشرة الأرضية العلوية مشكلة فجوات داخلية لتصبح حفر يتجاوز عمق بعضها العشرين مترا ومنها ما يكون به ماء راكد تجمع من الأمطار الموسمية أو الجوفية وفي بعض الحالات من نفس ماء البحر النافذ عبر الشقوق والتصدعات مبتلعة ما فوقها من مزارع أو منشئات وهو ما حدث عام 2000 لانهيار أحد سدود شركة البوتاس العربية في منطقة اللسان ومساحات من الأراضي بغور حديثة، وقد حذر من ذلك مرارا وتكرارا د. علم الهندسة الجيوفيزيائية وعلم الزلازل أ. نجيب أبو كركي واصفاً إياها بالخطرة جدا المستوجب تسييج محيطها ومنافذها ومراقبتها حيث أنها غير مستقرة مطلقا وهناك احتمالية كبيرة لوجود فجوات هشة مستترة تحيط بها سلسلة من التشققات المشتركة بالمركز ناصحا بعدم ارتيادها أو الإقتراب منها، وكان لنا زيارة معة لتوثيق عددة مواقع جنوبي البحر الميت ومنها ما تجاوزت فوهته الثلاثين مترا وبعمق زاد عن العشرة أمتار.
م. رائد الصعوب الأمين العام السابق للاتحاد العربي للأسمدة والمستشار الإستراتيجي السابق لشركة البوتاس العربية أفاد « بأن التربة في هذه المناطق عادة ما تكون هشة خصوصا حول البرك المالحة المغلقة ومع تزايد عدد الزوار تزداد احتمالية الإنهيارات والإنزلاقات بسبب الضغط المتكرر على الأرض، وما نراة هنا « مشيرا إلى البركة الوردية» (بسبب طحالب الدوناليلا المفيدة اقتصاديا ؛ إن تم استغلالها! ) هو مثال حي على كيف يمكن للمنظر الجمالي أن يخفي خلفة خطر جيولوجي حقيقي، وأشار إلى أن الحفر الإنهدامية بدأت بالظهور في منتصف التسعينيات وقد ابتلعت عددا من المنشئات والمساحات الزراعية في منطقة غور المزرعة، وبين أعوام 2005 و 2010 حيث تفاقمت هذه الظاهرة بموقع منشئات شركة النميرة للأملاح المختلطة والطين التابعة للبوتاس العربية التي تكلفت بتأسيسها مما اضطرها لاتخاذ قرارا استباقيا لنقل معدات المصنع إلى منطقة أخرى أكثر أمانا .
مصائد الجمال
وحول ظاهرة تلون المياة قامت الجمعية العلمية الملكية بإجراء فحوصات وتحليل علمي مفصل اشترك به ستة خبراء وباحثين نشرت نتائجه باللغة الإنجليزية على موقع الجمعية الإلكتروني بتاريخ 12 آذار لبيان سبب وتعليل تحول لون البرك للون الوردي مستندا على الزيارة الميدانية والتحليل المخبري الدقيق حيث أشاروا إلى وجود شكل لحياة مجهرية لكائنات دقيقة محبة للملوحة تنتمي إلى عائلات الأركيا أو البكتيريا وهي المسؤولة عن هذا التحولات المنتجة لصبغة حمراء وردية تعرف باسم «باكتيريوروبيرين» وهي نوع من المركبات الكاروتينية، وتلعب الصبغة دورا بيولوجيا حيويا لحماية الكائنات الدقيقة من الإشعاع الشمسي القوي والظروف القاسية في محيطها المالح، وليست ناتجة عن طحالب أو معادن مذابة.
ومن مشاهداتنا خلال زيارات لهذه المواقع بالإضافة إلى الشقوق والصدوع وانقلاب القشرة الأرضية في بعضها أنك تسمع صوت صدى أقدامك يتردد عند المسير وهذا مؤشر لوجود فراغ داخلي في عمق الأرض مما يدل على مدى خطورة الموقع الذي تقف عليه والذي قد ينهار بك بأي لحظة !!! ،أما البركة الرئيسية المتعارف عليها بجولات الزيارة والتي لا تشكل موقعا سياحيا بتاتا فهي عبارة عن خسف رئيسي تضمن عدة خسوفات شكلت برك متجاورة غيرة واضحة العمق لعكورة المياه وتلونها يفصل ما بينها حواجز رملية أصبحت ممرات قد تنهار بسبب توالي المرور والضغط المتكرر ضمن مستوى فوهة أخفض من مستوى البحر، وقمة الخطر عندما يتجمع المرتادين معا على حافة البركة لالتقاط صورة جماعية غير آبهين بضغط أوزانهم مجتمعين على الحواف الهشة الرقيقة ( لذا وجب التحذير ) .
منطقة الأملاح الآمنة
وبالإضافة إلى شواطئ منطقة الفنادق وشاطئ أمانة عمان السياحي المغلق منذ عدة سنوات « المستوجب إعادة فتحه « هناك مواقع آمنة يمكن زيارتها على مسؤوليتك الخاصة للإستمتاع بجماليات الأملاح البلورية التي يتفرد بها محيط البحر الميت عن غيره من المواقع في العالم وتحديدا المنطقة الواقعة بعد جسر الموجب مباشرة حيث تكثر بها هذة التشيكلات الفريدة بظاهرة تستحق تسليط الضوء عليها، ولهذه الغاية قمنا بإنتاج مجموعة فنية فوتوغرافية ذيلت بإسم «بحر الأسرار» لما يحتويه من أسرار طبيعية وقصص تاريخية مستخدمين مؤثرات لونية طبيعية وإعادة تركيب الصور للخروج بمنمنات عرضت في مهرجان عمان للفنون برعاية صاحبة السمو الأميرة ريم العلي، وفي ملتقى استراكا الدولي بشرم الشيخ وكانت أدرجت إحداها للتعريف عنا في كتاب 100 عام من الفن التشكيلي في الأردن الصادر عن المتحف الوطني للفنون الجميلة.
* رحّالة ومستكشف – باحث في سياحة المغامرة