facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ما بعد الاتفاق: هل تنتقل المواجهة إلى الداخل الإيراني؟


د. عبدالحفيظ العجلوني
14-06-2026 12:41 PM

على امتداد عقود من المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، نجح النظام الإيراني في توظيف التهديدات الخارجية كعامل لتوحيد الجبهة الداخلية. ففي أوقات الأزمات تتراجع الخلافات السياسية والاقتصادية أمام شعور عام بوجود خطر يستهدف الدولة والنظام معاً، فتُؤجَّل الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد والحريات ومستوى المعيشة لصالح أولويات الأمن والصمود.

لكن المشهد يختلف عندما تنخفض حدة المواجهة أو تتحول إلى مسار تفاوضي. فالحروب توحّد الجبهات وتؤجل الخلافات، بينما تعيد التسويات فتح الملفات المؤجلة وتطلق التنافس بين مراكز القوى حول تفسير ما جرى وتحديد المستفيد منه.

وفي حال نجحت المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن في الوصول إلى اتفاق سياسي شامل، فإن التحدي الأكبر أمام إيران قد لا يكون خارج حدودها، بل داخلها.

يمكن تمييز ثلاثة أجنحة رئيسية في مقاربة مرحلة ما بعد الاتفاق. الأول هو التيار البراغماتي المرتبط بالمؤسسة التنفيذية والدبلوماسية، والذي يرى في الاتفاق فرصة للخروج من ضغوط العقوبات وتحسين الأوضاع الاقتصادية. غير أن هذا التيار يواجه معضلة رفع سقف التوقعات الشعبية؛ فكلما ارتبط الاتفاق بوعود اقتصادية كبيرة، ارتفعت كلفة الإخفاق إذا لم تظهر نتائجه سريعاً.

أما التيار المحافظ والمتشدد، فلا يستطيع رفض الاتفاق إذا أُقرّ رسمياً، لكنه سيسعى إلى مراقبة نتائجه وتحميل خصومه السياسيين مسؤولية أي تعثر اقتصادي أو سياسي، كما سيحاول منع تحوّل الانفراج الخارجي إلى انفتاح سياسي أو ثقافي داخلي.

في المقابل، تنظر المؤسسة العسكرية والأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري، إلى الاتفاق بوصفه نتيجة لصمود إيران وتراكم عناصر قوتها. ولذلك ستعمل على ترسيخ رواية مفادها أن التفاوض لم يكن ثمرة ضغوط خارجية بل اعترافاً بمكانة إيران الإقليمية وقدرتها على فرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه.

غير أن هذا التنافس لا يدور في فراغ. فالمرشد الأعلى يظل الضامن للتوازن بين هذه الأجنحة، بما يمنع أي طرف من احتكار المشهد. كما يتقاطع الاتفاق مع ملف أكثر حساسية يتمثل في ترتيبات مرحلة ما بعد المرشد الحالي، ما يجعل الصراع على تفسير الاتفاق واحتكار عوائده السياسية جزءاً من إعادة التموضع داخل النظام.

وتبرز أيضاً مصالح اقتصادية عميقة تشكلت خلال سنوات العقوبات. فقد نشأت شبكات مالية وتجارية استفادت من اقتصاد الحصار والأسواق الموازية، وهي قد تنظر إلى الانفتاح الاقتصادي والشفافية المالية بوصفهما تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها.

ويترافق ذلك مع جدل محتمل حول أولويات الإنفاق بين متطلبات التنمية الداخلية واستمرار تمويل النفوذ الإقليمي. فبينما سيدفع التيار البراغماتي نحو توجيه الموارد لمعالجة الأزمات الاقتصادية، ستتمسك المؤسسة العسكرية باعتبار النفوذ الإقليمي جزءاً أساسياً من منظومة الأمن القومي الإيراني.

لكن العامل الحاسم قد لا يكون صراع النخب بقدر ما يكون موقف المجتمع الإيراني نفسه. فمع أي انفراج خارجي، ستنتقل اهتمامات المواطنين من ملفات الصراع الإقليمي إلى قضايا المعيشة وفرص العمل والتضخم والخدمات العامة. كما سيطرح جيل الشباب أسئلة أكثر عمقاً حول العلاقة بين الانفتاح الخارجي والانفتاح الداخلي، وحول الكلفة التي تحملها المجتمع الإيراني خلال العقود الماضية مقابل العوائد التي تحققت.

وفي الأنظمة الأيديولوجية، لا تُقاس أهمية الاتفاقات الخارجية بحجم ما تحققه دبلوماسياً فحسب، بل بقدرتها على إنتاج شرعية داخلية جديدة. وكلما ارتفعت التوقعات الشعبية، ارتفعت معها كلفة الفشل.

فإذا نجح الاتفاق في تحسين الأوضاع الاقتصادية وتخفيف الضغوط المعيشية، فقد يمنح النظام فترة من الاستقرار ويعزز موقع التيار الداعي إلى التسوية والانفتاح المدروس. أما إذا جاءت النتائج أقل من التوقعات، فقد تتحول مرحلة ما بعد الاتفاق إلى مصدر ضغوط داخلية أشد تأثيراً من سنوات المواجهة نفسها.

في المحصلة، قد لا يشكل الاتفاق نهاية للصراع بقدر ما يمثل انتقاله من الخارج إلى الداخل. وإذا كانت إيران قد أثبتت قدرة كبيرة على إدارة الأزمات والمواجهات الخارجية، فإن اختبارها الأصعب قد يكون في إدارة السلام والتنمية وتحويل المكاسب الدبلوماسية المحتملة إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين. فشرعية الدول في نهاية المطاف لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود في مواجهة الخصوم، بل أيضاً بقدرتها على تلبية تطلعات مجتمعاتها وبناء عقد اجتماعي أكثر استقراراً واستدامة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :