facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قامات العصر الرديء


محمد مطلب المجالي
15-06-2026 12:02 AM

لكل عصر رجاله، ولكل مرحلة قاماتها التي تُعرف بما قدمت من علم أو فكر أو تضحية أو إنجاز. غير أن الأزمنة المتعثرة كثيراً ما ترفع إلى الواجهة أشخاصاً لم يصنعوا مجداً، ولم يتركوا أثراً، لكنهم أتقنوا فن الظهور وتسويق الذات.

في الماضي كانت القامة تُقاس بما تحمله من قيم ومبادئ، وبما تقدمه للناس من خدمة وعطاء، أما اليوم فقد اختلطت المعايير عند البعض، فأصبحت الشهرة بديلاً عن الإنجاز، والظهور بديلاً عن الكفاءة، والتكرار بديلاً عن الإبداع.

وما يزيد الأمر تعقيداً أن حالات الفراغ التي تصيب المجتمعات والمؤسسات تفسح المجال لبروز هذا النوع من الأشخاص. فعندما يغيب أصحاب الفكر والخبرة، أو يتراجع دورهم، أو يُزاحون عن المشهد، يتقدم من يجيدون الظهور أكثر مما يجيدون العمل، ومن يحسنون الحديث عن الإنجازات أكثر مما يحققونها على أرض الواقع.

فتراهم يملأون المجالس والمنصات، ويحتلون مساحات واسعة من المشهد العام، بينما يفتقر حضورهم إلى العمق والتأثير الحقيقي. وتلمس في بعضهم ثقلاً في الحديث وثقلاً على النفس، فلا تجد في كلماتهم ما يثري الفكر أو يبعث على الارتياح، بل أحاديث متشابهة تدور في فلك الذات وتضخيم الأدوار وتوزيع الألقاب.

ومن غرائب هذا المشهد أن بعضهم يحرص على التواجد في كل مناسبة عامة أو خاصة، وكأن حضوره جزء من برنامجها أو شرط من شروط نجاحها. فلا يكاد يُقام احتفال أو لقاء أو ندوة أو فعالية إلا وتجدهم في مقدمة الحضور، يتنقلون بين المقاعد والكاميرات والميكروفونات، متأهبين لإطلاق التصريحات وإبداء الآراء في كل شأن.

ويخيّل إليهم أن الناس جاءت لتراهم أو تستمع إلى إبداعاتهم وخطاباتهم، بينما الحقيقة أن المكانة لا تُقاس بعدد المناسبات التي نحضرها، ولا بعدد الصور التي نلتقطها، بل بما نتركه من أثر نافع في عقول الناس وقلوبهم. فكم من رجل قليل الظهور عظيم الأثر، وكم من كثير الحضور لا يكاد يترك وراءه سوى الذكر العابر.

فالقامات الحقيقية حين تتحدث تنصت لها العقول قبل الآذان، وحين تحضر تضيف قيمة للمكان، وحين تغيب يبقى أثرها حاضراً. أما القامات المصنوعة فإنها تعتمد على كثافة الظهور أكثر من قوة التأثير، وعلى تكرار المشهد أكثر من جودة المحتوى.

إن المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل في البيئة التي تصنع هذه الظاهرة وتغذيها بالمجاملات والمبالغات وتوزيع الألقاب جزافاً. وحين يغيب ميزان الكفاءة ويضعف تقدير العلم والخبرة، يصبح الطريق ممهداً أمام من يتقنون صناعة الصورة أكثر من إتقانهم صناعة الإنجاز.

ومع ذلك تبقى الحقيقة أقوى من كل مظاهر الزيف؛ فالأسماء التي ترتفع بلا رصيد حقيقي سرعان ما تتراجع، بينما يبى أصحاب الفكر والعلم والمواقف النبيلة حاضرين في الذاكرة والوجدان، لأن أثرهم لا تصنعه المنصات ولا الألقاب، بل تصنعه الأعمال الصادقة والمواقف المشرفة.

لقد علمتنا الحياة أن القامة الحقيقية لا تحتاج إلى من يرفعها، لأنها ترتفع بأخلاقها وعلمها وعطائها، وأن الإنسان مهما أحاط نفسه بالمظاهر فلن يستطيع أن يخفي حقيقة معدنه طويلاً. فالأيام كفيلة بأن تكشف الفارق بين من صنعته الإنجازات ومن صنعته الظروف، وبين من استحق المكانة ومن استعارها مؤقتاً.

وفي زمن كثرت فيه الأسماء وقلّت القامات، وأصبح الظهور عند البعض غاية بحد ذاته، تبقى الحاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار لأهل الكفاءة والمعرفة والخبرة، فهم وحدهم القادرون على بناء الأوطان وصناعة الوعي وترك الأثر الذي يبقى بعد أن تنطفئ الأضواء وتغيب الوجوه العابرة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :