تفاقم الجريمة في العالم العربي بين التحليل والحلول (1-3)
سارة طالب السهيل
15-06-2026 01:52 AM
في البداية لا بد من تعريف دقيق للجريمة. من منظور قانوني، هي كل فعل أو امتناع يعاقب عليه القانون، أما التعريف الاجتماعي فأوسع بكثير، إذ يشمل أي سلوك منحرف يضر بالفرد أو المجتمع، حتى لو لم يكن مجرماً بوضوح. وهنا تبرز إشكالية إضافية، وهي أن تعريف الجريمة يختلف بشكل ملحوظ بين الدول العربية نفسها. فما يعتبر جريمة في قانون عقوبات بلد ما قد يكون مخالفة بسيطة أو سلوكا مقبولا اجتماعياً في بلد آخر، خصوصاً في قضايا مثل العنف الأسري "التأديبي" أو العلاقات خارج إطار الزواج أو ما يُسمى بجرائم الشرف. هذا الاختلاف التشريعي يؤثر بعمق على نسب الإبلاغ المسجلة؛ ففي الدول التي تجرّم ضرب الزوجات، يكون الإبلاغ أعلى نسبياً مقارنة بدول لا تزال تسمح بمواد "التأديب" أو تخفف العقوبة بحجة "الغضب الشديد". كما يلعب دور النيابة العامة دوراً محورياً في هذه العملية، إذ إن سياساتها في قبول البلاغات، ومدى جديتها في التحقيق الابتدائي، وتوجيهها للقضايا إما إلى الصلح، أو إلى المحاكمة الجنائية، تشكل مرشحاً رئيسياً يحدد أي الجرائم تصل إلى الإحصاءات الرسمية.
تحليل التشريعات الجنائية العربية يكشف عن تباين واسع: فبينما تتبنى بعض الدول (كالمغرب وتونس) قوانين عقوبات حديثة تعيد تعريف الجرائم المرتبطة بالعنف الأسري والجنسي، لا تزال أخرى (مثل بعض دول الخليج والعراق قبل تعديلات 2023) تعمل بقوانين يعود بعضها إلى منتصف القرن العشرين، مما يخلق فجوة قانونية هائلة تعيق توحيد الجهود الإحصائية والقضائية على المستوى العربي.
وفي المنطقة العربية تشمل أنواع الجرائم العنف البدني كالقتل والضرب، والعنف الأسري ، والجرائم الاقتصادية ، والانتحار الذي يُعامل قانونياً بشكل مختلف بين الدول.
تشير الدراسات إلى أن نحو 86% من مرتكبي جرائم العنف هم ذكور، وتتركز أعمارهم بين 18 و35 سنة، مع غلبة التعليم الأساسي. كما ارتفعت نسبة الإناث في جرائم قتل الزوج من نحو 2% إلى 11% بين 2010 و2023 في بعض السياقات المدروسة. وهذه النسب مأخوذة من دراسات حالة محددة: نسبة الـ86% تستند إلى تحليل لسجون مصر والأردن بين 2018 و2022 (دراسة منشورة في Journal of Arab Criminology، 2023)، بينما ارتفاع الإناث من 2% إلى 11% وثقه تقرير للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية في عينة من قضايا المحاكم اللبنانية والأردنية (2010–2023). لذا، لا يمكن تعميمها على كامل العالم العربي دون تحفظ، لكنها تبقى مؤشراً على اتجاهات جديرة بالدراسة المتعمقة. وهنا لا بد من الإشارة إلى بُعد النوع الاجتماعي (Gender) الذي يفسر هذه الأرقام تفسيراً أعمق. فالأعراف الذكورية السائدة في المجتمعات العربية، التي تربي الذكور على التعبير عن المشاعر عبر الغضب والعنف، وتربي الإناث على الكتمان والصبر، تخلق أنماطاً إجرامية متميزة. فالعلاقة بين الجندر والعنف الأسري معقدة: فبينما يكون الذكور غالباً مرتكبي العنف الجسدي المباشر، فإن الإناث قد يمارسن عنفاً نفسياً أو اقتصادياً، أو يلجأن إلى جرائم انتقامية بعد سنوات من الإساءة. والأكثر إشكالية هو فجوة الإبلاغ بين الرجال والنساء؛ فالنساء يبلغن عن تعرضهن للعنف الأسري بنسبة أقل من الرجال في بعض أنواع الجرائم (مثل العنف الجنسي) بسبب الخوف من الوصم أو الانتقام، بينما الرجال لا يبلغون أبداً تقريباً عن تعرضهم للعنف من قبل شريكاتهم خوفاً من السخرية وفقدان "المروءة". هذه الفجوة المزدوجة تجعل الإحصاءات الرسمية غير عاكسة للحقيقة، وتستدعي أدوات قياس حساسة للنوع الاجتماعي. أما الواقع الإحصائي، فيظهر تفاوتا واضحا بين الدول .
الراي