فقه الأولويات في موازنات المحافظات: الإنسان أولاً
د.م. أمجد عودة الشباطات
15-06-2026 03:29 PM
أكتب هذا المقال وأنا أدرك تماماً أن الاستثمار مهم، وأن البنية التحتية مهمة، وأن الطرق والمشاريع الخدمية والتنموية مهمة، لكنني أؤمن أيضاً أن لكل مرحلة أولوياتها، وأن نجاح أي سياسة اقتصادية يبدأ من تشخيص الحالة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.
ومع اقتراب كل دورة جديدة لمجالس المحافظات، أرى أن من واجبنا إعادة طرح سؤال جوهري: هل حققت موازنات المحافظات خلال السنوات الماضية الأثر الاقتصادي والاجتماعي المأمول؟ وهل ما زالت الأولويات التي اعتدنا عليها هي الأولويات ذاتها التي تحتاجها المحافظات اليوم؟ إن فلسفة اللامركزية لم تُنشأ لمجرد توزيع المشاريع، بل لكي تتمكن كل محافظة من تحديد احتياجاتها الحقيقية وتوجيه مواردها نحو ما يحقق أكبر أثر ممكن للمواطنين. ومن هذا المنطلق تأتي هذه الدعوة لإعادة النظر في ترتيب الأولويات، خصوصاً في المحافظات التي تعاني من معدلات بطالة مرتفعة وأوضاع اقتصادية ضاغطة.
وفي تقديري، وصلت بعض المحافظات الأردنية، ومنها محافظة الطفيلة، إلى مرحلة تستوجب إعادة النظر في ترتيب الأولويات التنموية والاقتصادية بشكل جاد.
نحن لا نتحدث هنا عن محافظة تبحث عن رفاهية إضافية أو تحسينات تجميلية، بل عن محافظة تعاني من معدلات بطالة مرتفعة، ومن أوضاع معيشية صعبة، ومن أسر أصبح وجود أكثر من عاطل عن العمل فيها أمراً اعتيادياً لا استثنائياً.
لم يعد غريباً أن نجد في المنزل الواحد أربعة أو خمسة أو حتى ستة شباب بلا عمل.
ولم يعد صعباً سماع أنين الناس وشكواهم.
والأخطر من ذلك أننا بدأنا نرى انعكاسات اجتماعية ونفسية واقتصادية لهذه الحالة؛ تأخر في الزواج، واتساع دائرة الفقر، وتراجع القوة الشرائية، وشعور متزايد بالإحباط لدى فئة الشباب.
هذه ليست مؤشرات عابرة.
بل هي مؤشرات تستوجب دق ناقوس الخطر.
ومن هنا أستحضر هرم ماسلو للحاجات الإنسانية (Maslow’s Hierarchy of Needs). فلا يمكن أن نتحدث عن الإبداع والريادة والاستثمار وتحقيق الذات بينما ما زالت شريحة واسعة من الشباب تبحث عن الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي والدخل الذي يحفظ الكرامة.
وعندما تهتز قاعدة الهرم، فإن بقية الهرم يصبح مهدداً بالاهتزاز.
لذلك فإنني أدعو إلى التعامل مع هذه المحافظات بمنطق التدخل الاقتصادي العاجل، لا بمنطق المشاريع التقليدية وحدها؛ فالأولوية اليوم هي ضخ دخل مباشر في الأسر، وتحريك الطلب المحلي (Stimulating Local Demand)، وتخفيف آثار البطالة قبل اتساع كلفتها الاجتماعية والاقتصادية.
لذلك فإنني أدعو بوضوح إلى إعادة توجيه جزء أكبر من موازنات المحافظات نحو التشغيل المباشر والإنتاجي باعتباره أداة تنموية واقتصادية في المحافظات ذات البطالة المرتفعة.
ولا أطلب هنا زيادة في الموازنة، رغم أن زيادة موازنات المحافظات من خلال إغلاق أبواب الهدر والفساد، ومراجعة القرارات الاقتصادية غير المدروسة، وضبط الإنفاق غير المنتج في مختلف المؤسسات والهيئات، يجب أن يبقى مطلباً مشروعاً ومهماً. لكنني أقول بوضوح: حتى إن لم تتحقق هذه الزيادة، فإن الحد الأدنى المطلوب هو إدارة المال المخصص للمحافظة بطريقة أكثر حصافة وعدلاً وأثراً.
كما أن هذا الطرح لا يتعارض مع فلسفة اللامركزية ومجالس المحافظات، بل يعيدها إلى جوهرها الحقيقي؛ فالغاية من منح المحافظات حق تحديد أولوياتها ليست تكرار أنماط الإنفاق التقليدية، وإنما تمكينها من توجيه الموارد نحو أكثر الاحتياجات إلحاحاً وتأثيراً. وإذا كانت البطالة اليوم تمثل التحدي الأكبر في بعض المحافظات، فمن الطبيعي أن تنعكس هذه الحقيقة على طريقة توزيع الإنفاق وأولوياته.
هذا طرح من منطلق اقتصادي واجتماعي وتنموي بحت.
خذوا مثالاً بسيطاً:
لو تم تخصيص برنامج لتشغيل 400 شاب فقط في محافظة مثل الطفيلة ضمن مشاريع زراعية وبيئية وتشجير وصيانة أراضٍ عامة وحماية غابات وتحسين بيئي.
400 موظف × 300 دينار شهرياً × 12 شهراً = حوالي 1.44 مليون دينار سنوياً.
وعلى مدى خمس سنوات نتحدث عن حوالي 7.2 مليون دينار.
السؤال الذي أطرحه هنا:
كم مشروعاً تم تنفيذه خلال السنوات الماضية بكلفة مشابهة أو أكبر؟
وكم مشروعاً انتهى أثره بعد أشهر قليلة؟
وكم طبقة إسفلت جديدة احتاجت إلى إعادة تأهيل بعد فترة قصيرة؟
وكم مشروعاً لم يشعر المواطن البسيط بأي أثر مباشر له في حياته اليومية؟
في المقابل، ماذا سيحدث لو تم ضخ هذه الأموال مباشرة في جيوب 400 أسرة؟
هنا ندخل إلى جوهر القضية الاقتصادية.
فهذا النوع من الإنفاق لا يحقق استفادة عمودية تذهب إلى عدد محدود من المقاولين أو الموردين أو المستفيدين، بل يحقق ما يمكن وصفه بالتوزيع الأفقي للدخل داخل المجتمع المحلي.
بمعنى أن الأموال تتوزع على مئات الأسر بدلاً من أن تتركز في نطاق ضيق.
والأهم من ذلك أن هذه الأموال ستبقى إلى حد كبير داخل المحافظة نفسها.
فالشاب الذي يحصل على راتبه سيشتري من بقالة الطفيلة.
وسيدفع للحلاق في الطفيلة.
وسيتسوق من محال الطفيلة.
وسيصرف على أسرته داخل الطفيلة.
وسيسدد ديونه داخل الطفيلة.
وسيتحرك الدينار بين عشرات الأيدي داخل المحافظة قبل أن يغادرها.
وهنا يتحقق ما يسميه الاقتصاديون بالمضاعف الاقتصادي المحلي (Local Economic Multiplier).
أي أن الدينار الواحد لا ينتج ديناراً واحداً من الأثر الاقتصادي، بل يخلق حركة اقتصادية متتابعة داخل المجتمع المحلي.
وبالنسبة لمحافظة صغيرة الحجم نسبياً، فإن أثر هذا النوع من الإنفاق يكون أكبر وأكثر وضوحاً من كثير من المشاريع الأخرى.
كما أن التوظيف المباشر في هذه الحالة لا يجب أن يتحول إلى بطالة مقنعة أو وظائف شكلية.
بل يمكن ربطه بأعمال إنتاجية حقيقية يحتاجها الوطن والمحافظة معاً؛ التشجير، وحماية الغابات، واستصلاح الأراضي، وتحسين المواقع السياحية، وصيانة المرافق العامة، والحفاظ على البيئة، ودعم المشاريع الزراعية المجتمعية.
وبذلك نحقق هدفين في الوقت نفسه:
تشغيل الشباب.
وتنفيذ أعمال ذات منفعة عامة.
وأؤكد هنا أنني لا أدعو إلى إلغاء الاستثمار أو وقف المشاريع التنموية أو إهمال البنية التحتية.
على العكس تماماً.
لكنني أدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات وفقاً لخطورة المرحلة.
فالاستثمار يحتاج وقتاً.
والفرص الكبرى تحتاج سنوات.
أما الشباب العاطل عن العمل اليوم فلا يستطيع الانتظار سنوات أخرى.
والأسرة التي تعاني اليوم لا تستطيع تأجيل احتياجاتها حتى يكتمل مشروع استثماري بعد خمس أو عشر سنوات.
لهذا أرى أن فقه الأولويات يقتضي أن نبدأ بالإنسان أولاً.
أن نعيد النبض إلى السوق المحلي.
أن نضخ السيولة في أيدي الناس.
أن نخفف العوز.
أن نمنح الشباب أملاً حقيقياً.
ثم نواصل العمل بالتوازي على جذب الاستثمار وتنفيذ المشاريع الكبرى.
فالتنمية ليست حجراً فقط.
وليست إسفلتاً فقط.
وليست مباني فقط.
التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان.
وإذا تعافى الإنسان، تعافت الأسرة.
وإذا تعافت الأسرة، تعافى السوق.
وإذا تعافى السوق، تعافت المحافظة.
ومن هنا فإنني أرى أن إعادة توجيه جزء أكبر من موازنات المحافظات نحو التشغيل المباشر والإنتاجي، ولو لفترة انتقالية محددة، ليس طرحاً عاطفياً ولا خروجاً على المنطق الاقتصادي، بل قد يكون في هذه المرحلة أحد أكثر الخيارات عقلانية وإنسانية وجدوى للمحافظات التي تعاني من البطالة المرتفعة وتراجع النشاط الاقتصادي وتنتظر مقاربات جديدة أكثر جرأة وارتباطاً بحاجات الناس اليومية.
* رئيس هتان للدراسات والاستشارات | AMJCOM