حين تنتصر الإدارة على شح الموارد
الدكتور مهند النسور
16-06-2026 12:45 PM
لم تكن الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء إلى وزارة الصحة مجرد جولة ميدانية أو إشادة بإنجازات تحققت، بل حملت رسالة أعمق تتجاوز حدود الوزارة لتصل إلى مختلف مؤسسات الدولة. فجوهر الرسالة يتمثل في أن النجاح لا يرتبط دائمًا بحجم الموارد المتاحة، بل بقدرة الإدارة على توظيفها بكفاءة وفاعلية.
لقد واجه القطاع الصحي الأردني خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة، تمثلت في الضغوط المالية المتزايدة، وارتفاع الطلب على الخدمات الصحية، والحاجة المستمرة لتطوير البنية التحتية والموارد البشرية. ومع ذلك، استطاعت وزارة الصحة أن تقدم نموذجًا إيجابيًا في التعامل مع هذه التحديات من خلال تحسين الخدمات وتسريع تنفيذ بعض المشاريع وإعادة تفعيل مرافق كانت متعثرة.
وفي هذا السياق، برز دور معالي الدكتور إبراهيم البدور الذي تبنى نهجًا يقوم على أن الإصلاح يبدأ من الإدارة الرشيدة قبل أن يبدأ من زيادة الموازنات. فحسن التخطيط، وتحديد الأولويات، والمتابعة المستمرة، والاستثمار الأمثل للموارد المتاحة، جميعها عناصر قادرة على إحداث فرق ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
ولا تكمن أهمية هذه التجربة في الإنجازات التي تحققت فحسب، بل في الرسالة التي تحملها لبقية المؤسسات العامة. فغالبًا ما يُعزى التعثر أو بطء الإنجاز إلى نقص الموارد، بينما تثبت التجارب الناجحة أن الإدارة الفاعلة تستطيع تحقيق نتائج مهمة حتى في ظل الإمكانات المحدودة. وهذا لا يعني التقليل من أهمية التمويل، بل التأكيد على أن المال وحده لا يصنع النجاح ما لم يرافقه أداء إداري كفؤ.
وفي الوقت نفسه، فإن الاحتفاء بالإنجاز لا يتعارض مع المساءلة. فكل مشروع يعود إلى العمل بعد سنوات من التعثر يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب التأخير السابقة، وكل نجاح جديد يجب أن يكون فرصة للتعلم وتحسين الأداء في المستقبل. فالإدارة الناجحة لا تخشى التقييم، بل تعتبره جزءًا من عملية التطوير المستمر.
في نهاية المطاف، يقيس المواطن نجاح المؤسسات بما يلمسه من تحسن في الخدمات وجودة الأداء. فهو لا يبحث عن الشعارات بقدر ما يبحث عن نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية. ومن هنا تبرز أهمية النماذج التي تثبت أن الإرادة الإدارية والقيادة الفاعلة قادرتان على تحويل الإمكانات المتاحة إلى إنجازات حقيقية.
لقد أثبتت هذه التجربة أن شحّ الموارد ليس دائمًا العائق الأكبر، بل إن غياب الإدارة الفاعلة هو التحدي الحقيقي. وحين تنتصر الإدارة على محدودية الإمكانات، يصبح الإنجاز ممكنًا، وتترسخ ثقة المواطن بمؤسسات دولته، ويتحول النجاح من استثناء إلى نموذج يستحق الاحتذاء