الدرس الإيراني في الصمود .. ورسالة إلى العرب
م. عبدالفتاح الدرادكة
16-06-2026 03:21 PM
تشهد المنطقة منذ عقود أزمات وصراعات متلاحقة، تثبت في كل مرة أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من سلاح أو إمكانات مادية، بل بما تتمتع به من تماسك داخلي وقدرة على توحيد الجبهة الوطنية في مواجهة التحديات الخارجية. ومن هنا، يرى كثيرون أن التجربة الإيرانية في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية تقدم نموذجاً يستحق التأمل، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياساتها.
لقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن الدول التي تمتلك مؤسسات قادرة على الاستمرار، وشعباً يلتف حول فكرة الدفاع عن وطنه في أوقات الأزمات، تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط. فحين تتماسك القيادة مع المجتمع، وتتحول المواجهة إلى قضية وطنية جامعة، يصبح من الصعب تحقيق الأهداف المعلنة لأي محاولة تستهدف إضعاف الدولة أو تفكيكها،
إن الدرس الايراني غني في العبر والنتائج حيث تم اغتيال قادته وتدمير قواته البحرية والجوية وأنظمة الدفاع الجوي وتحققت للولايات المتحدة واسرائيل السيطرة المطلقة على اجوائه الا ان ارادة الصمود الموجودة لم تجعلهم يستسلمون ولم تمكن اعدائهم من الانتصار ، وهاهم فاوضوا من موقع قوة لا من ضعف وأملوا شروطهم حتى لو كان ذلك كما يقولون من تحت الطاولة والنتيجة ان كبرياء الدولة الايرانية واعتزاز الإيرانيين القوي بقوميتهم وتلاحمهم والتجهيز المسبق من خلال التخطيط المستقل واستغلال الامكانيات الصاروخية بمساعدة الصين وروسيا قد افسد على اعدائهم حلاوة النصر.
والدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه لا يتعلق بإيران وحدها، بل يتعلق بمفهوم الوحدة الوطنية باعتباره أساساً للقوة. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تتماسك داخلياً تستطيع تجاوز المحن مهما بلغت شدتها، بينما تنهار الدول التي تنقسم مجتمعاتها وتتغلب فيها الخلافات الداخلية على المصلحة العليا.
وفي المقابل، تبدو الساحة العربية، منذ عقود طويلة، وكأنها تعاني من حالة من التشرذم السياسي والاقتصادي والاستراتيجي، الأمر الذي أضعف قدرتها على استثمار ما تمتلكه من موارد بشرية وطبيعية هائلة. فالعالم العربي يمتلك ثروات ضخمة وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وسوقاً واسعة، لكنه لم ينجح حتى اليوم في تحويل هذه المقومات إلى مشروع تكاملي قادر على صناعة قوة عربية مؤثرة على الساحة الدولية.
ويقال دائماً إن العود المنفرد يسهل كسره، أما الحزمة المترابطة فيصعب كسرها. وهذه الحكمة الشعبية البسيطة تختصر فلسفة بناء الدول والتكتلات الكبرى. فالنجاحات التي حققها الاتحاد الأوروبي، أو التجارب الاقتصادية الآسيوية، لم تكن وليدة المصادفة، وإنما جاءت نتيجة إدراك أن التعاون والتكامل يصنعان قوة تتجاوز إمكانات كل دولة بمفردها.
إن العراق وحده، أو مصر وحدها، أو الأردن وحده، أو سوريا وحدها، أو أي دولة عربية منفردة، مهما امتلكت من قدرات، ستظل أقل تأثيراً مما يمكن أن تحققه ضمن منظومة عربية متكاملة اقتصادياً وسياسياً وعلمياً وأمنياً. فالتكامل هو الذي يخلق الأسواق الكبرى، ويعزز الأمن الغذائي والطاقة، ويوفر فرص التنمية، ويمنح القرار السياسي استقلالية أكبر.
ومن المؤسف أن الخلافات العربية المتراكمة أهدرت فرصاً تاريخية لبناء مشروع وحدوي أو تكاملي حقيقي، في الوقت الذي تتجه فيه معظم دول العالم نحو إنشاء التكتلات الاقتصادية والسياسية الكبرى لمواجهة تحديات العصر.
إن المطلوب اليوم ليس إلغاء خصوصية الدول أو أنظمتها السياسية، بل ترسيخ ثقافة العمل العربي المشترك، وتعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي والصناعة والطاقة والدفاع عن المصالح المشتركة. فالمستقبل لن يكون للدول الصغيرة المنعزلة، وإنما للتكتلات القادرة على توظيف مواردها بصورة جماعية.
كما أن بناء الإنسان العربي يجب أن يكون أولوية لا تقل أهمية عن بناء الجيوش أو الاقتصاد، لأن الوعي والعلم والتخطيط والإدارة الرشيدة هي الأساس الحقيقي لأي نهضة مستدامة. ولا يمكن لأي أمة أن تستعيد مكانتها إذا بقيت أسيرة الخلافات الضيقة والمصالح الآنية.
لقد آن الأوان لأن يدرك العرب أن قوتهم الحقيقية تكمن في وحدتهم وتكاملهم، وأن تنوعهم الثقافي والجغرافي يمكن أن يكون مصدر ثراء لا سبباً للانقسام. فالأمة التي تجمعها اللغة والتاريخ والمصالح المشتركة تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون رقماً صعباً في المعادلة الدولية إذا أحسنت استثمار هذه المقومات.
ويبقى الدرس الأبرز أن التماسك الداخلي، والإرادة السياسية، والعمل المشترك، هي الركائز التي تصنع قوة الأمم وتحفظ سيادتها. أما الفرقة والانقسام، فإنهما يفتحان الباب أمام التدخلات الخارجية ويضعفان قدرة الشعوب على حماية مصالحها وتحقيق تطلعاتها. ومن هنا، فإن مستقبل العرب لن يبنى إلا بالتعاون والتكامل، وبمشروع حضاري يضع المصلحة العربية العليا فوق كل اعتبار، ويعيد للأمة دورها الذي تستحقه والله من وراء القصد