رجال لا يترجلون من ذاكرة الوطن .. العميد الزيود أنموذجا
د.هشام المكانين العجارمة
16-06-2026 11:39 PM
عجت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر تقاعد العميد عبدالسلام الزيود من مرتبات دائرة المخابرات العامة، كثير من تلك المواقع أشارت لمحاسن الرجل وإرثه الحسن خلال مسيرة عمله، وبعضها الآخر حملت رسائل عتاب؛ إذ كيف يُقبل إحالة الزيود للتقاعد وقد أرسى من محاسن الأخلاق والتعامل الجميل وبصمات العمل شيء لا ينسى!
إن تلك الرسائل وغيرها الكثير بحق الزيود العميد إنما تؤشر على خُلق الرجل وهذا ديدن رجالات الوطن بحق، كما أنها مدعاة للفخر والاعتزاز، ودليل على أن الناس يميزون السمين من الغث وليسوا دائماً مع (الواقف) كما يصفهم البعض، بل مع الرجال أنّا أنتهى بهم المطاف.
الزيود صاحب الحضور المميز والحكمة الحاضرة، الوازن في إدارة كثير من الملفات الحساسة كان يبادر بالإتصال والتواصل مع كثير من شرائح المجتمع، ومكتبه مفتوح لكل ذي مروءة ووفاء للوطن وقيادته، فيعرف عن ذاته باسمه لا بلقبه وموقعه، هو ذاته الذي كان يواصل الليل بالنهار إلى جانب رفاقه فرسان الحق، ويبذل الوقت والجهد خدمة للوطن وأهله، مؤدياً قسم الجندية منذ أن كان بمؤتة السيف والقلم، فكان المخلص الأمين الذي جمع شرف العسكرية وشرف التعامل الحسن، ومثل ذلك لا يُستغرب لابن قبيلة عُرفت بتضحياتها الجسام وأخلاقها النبيلة حتى باتت مدرسة في الرجولة والإباء، ولا يتأتى إلّا لمن كان على العهد وصدق ما عاهد الله عليه.
عرفت الزيود عن قرب صاحب سيرة حسنة ومواقف مشرفة، هو بحق رجل مواقف لا رجل مطامع، فكان كما العهد به دمثاً، خلوقاً، صاحب دين وعلم ورجولة، لا يحابي على حساب الحق، ولا يجامل على حساب الوطن، يعرف قدر الرجال فيصلهم ويُحسن واجبهم، لا يمنعه عن ذلك إلا واجب العمل والبذل للوطن.
نعم تقاعد الزيود - والتقاعد نهاية مرحلة لا نهاية عطاء- وانتهت خدمة العميد العسكرية، ولكن مآثر الرجل لم ولن تنتهي في نفوس الأوفياء للوطن وقيادته؛ إذ ترك خلفه سيرةً عطرة ومسيرةً حافلة بالعطاء والإخلاص والتفاني في خدمة الوطن، كما ترك بصمة طيبة في نفوس كل من عرفه وعمل معه من رفاق السلاح، وأحسب الزيود كما غيره من شرفاء الوطن باقون على عهد الوفاء للوطن وقيادته، جاهز لكل معترك يستوجب البذل والفداء، حيث ارتبط اسمه بالكفاءة والنزاهة والانضباط والاحترام المتبادل، فكان نِعم المسؤول الذي حمل الأمانة بكل اقتدار واخلاص، ولا غرابة أن أكسبه ذلك محبة الجميع وتقديرهم، ومن بين أولئك كاتب هذا المقال الذي لم يعهد بنفسه الكتابة عن أشخاص لكنه بحق هذا الرجل يكتب ويملأه الاعتزاز به أخاً وصديقاً ورجلاً؛ فالعميد العزيز - سليل تلك الشيبة التي قدمت للوطن وثقافته نجل الكاتب الكبير محمود الزيودي الذي عُرف بصدق تمثيله لنا لا علينا، ولا أدل على ذلك من اطلالالته المرئية التي تشبهنا، وكتاباته التي رسخت هويتنا الوطنية، فكان أنجاله كما هو موطن للعطاء وأهل للتقدير والوفاء.
ولأن أصدق القول ما يُقال دون استئذان، وأصدق الكلمات ما تُنظم دون طلب فإنني اكتب باعتزاز بحق شريف عُرف بسلامه وإسلامه -فكان له من اسمه نصيب- وفارس ترجّل عن صهوة جواده وفضائله لم تترجل، رسالة وفاء لأهل الوفاء، وبطاقات شكر لأهل العطاء؛ لأقول وأحسب نفسي مقصراً: كفيتم ووفيتم، وحمداً لله على سلامتكم، سائلين الله لكم حياة مدنية ملؤها العطاء والخير، وأن يمدكم بدوام توفيقه، وأن يسبغ عليكم من فضله ورضاه، وأنتم ترفلون ثوب الصحة والعافية.
ودمتم من صادقي العهد مع الله والوطن والقيادة.