هيبة الدولة بين تقصير الحكومات وغياب المحاسبة
عماد الشهاب
17-06-2026 11:39 AM
عمان ليست هيبة الدولة ذلك الشعور الذي يتولد من الخوف، ولا تلك الصورة التي ترسمها البيانات الرسمية أو الخطابات السياسية، هيبة الدولة الحقيقية تُبنى في مكان آخر؛ في المسافة الفاصلة بين السلطة والمسؤولية، وبين القرار والمحاسبة، وبين ما تعد به المؤسسات وما تنجح في تحقيقه على أرض الواقع. فالدول لا تفقد هيبتها عندما تواجه الأزمات، فالتاريخ يعلمنا أن الأزمات جزء طبيعي من حياة الأمم، لكنها تبدأ بخسارة جزء من هيبتها عندما يصبح الخطأ بلا ثمن، والتقصير بلا مساءلة، والفشل مجرد حدث عابر يطويه النسيان دون مراجعة أو محاسبة.
في كثير من الأحيان يختلط على الناس، وربما على بعض المسؤولين، الفرق بين هيبة الدولة وهيبة الحكومة. فالحكومة كيان مؤقت يتغير بتغير الظروف والقيادات، أما الدولة فهي المشروع الوطني المستمر الذي يتجاوز الأشخاص والمناصب، لذلك فإن نقد الأداء الحكومي أو مساءلة المسؤولين لا يمثل انتقاصاً من هيبة الدولة، بل قد يكون أحد أهم شروط حمايتها وتعزيز مكانتها.
المواطن لا يبحث عن حكومة معصومة من الخطأ، ولا ينتظر إدارة خالية من التحديات، ما يبحث عنه هو شعور بالعدالة، أن يرى أن المسؤولية تقترن بالمحاسبة، وأن الإنجاز يُكافأ، وأن التقصير لا يمر وكأنه لم يكن. فعندما يشعر الناس أن هناك معيارين؛ أحدهما للمواطن والآخر للمسؤول، تبدأ الثقة بالتآكل، ومعها يتراجع جزء مهم من رصيد الدولة المعنوي.
المفارقة أن الدول القوية حول العالم لم تبنِ هيبتها على إخفاء الأخطاء، بل على قدرتها على الاعتراف بها وتصحيحها، فالمساءلة ليست علامة ضعف، بل دليل ثقة بالنفس المؤسسية.
أما الدول التي تخشى النقد أو تنظر إلى كل ملاحظة باعتبارها تهديداً لهيبتها، فإنها غالباً ما تخلط بين حماية الدولة وحماية المسؤول.
وفي الأردن، تبدو هذه المسألة أكثر أهمية في ظل الظروف الإقليمية والاقتصادية المعقدة التي تواجهها الدولة. فالمواطن الأردني تحمل خلال السنوات الماضية أعباءً كبيرة، وأظهر قدراً عالياً من الصبر والمسؤولية الوطنية، لكنه في المقابل يتطلع إلى رؤية نتائج ملموسة، وإلى منظومة أكثر وضوحاً في تقييم الأداء ومحاسبة المقصرين. فالثقة ليست مورداً دائماً، بل رصيد يحتاج إلى تجديد مستمر من خلال الشفافية والعدالة والقدرة على الإنجاز.
لكن الصورة لا تكتمل من دون التوقف عند دور الدولة العميقة بمعناها المؤسسي الإيجابي. فبعيداً عن التفسيرات التي تربط هذا المصطلح بمراكز النفوذ أو المصالح، تمتلك الدول الناجحة مؤسسات راسخة تشكل ذاكرتها الاستراتيجية وتحافظ على استمرارية مشروعها الوطني، وفي الأردن لعبت هذه المؤسسات دوراً محورياً في الحفاظ على استقرار الدولة وسط إقليم مضطرب، وفي ضمان استمرار السياسات الكبرى رغم تغير الحكومات والقيادات التنفيذية.
وقد ظهر هذا الدور بوضوح خلال مسيرة التحديث السياسي والاقتصادي والإداري التي يقودها جلالة الملك. فهذه العملية ليست برنامج حكومة ولا مشروع دورة انتخابية، بل مشروع دولة طويل الأمد يستهدف إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وتطوير الإدارة العامة، وتعزيز المشاركة السياسية، وتحسين البيئة الاقتصادية.
وهنا تبرز أهمية الدولة العميقة كحارس للمسار الاستراتيجي، لا كمعيق للتغيير. غير أن نجاح هذا الدور يتطلب أيضاً تحولاً في الثقافة المؤسسية. فالتحديث لا يحتاج فقط إلى مؤسسات تحمي الاستقرار، بل إلى مؤسسات تمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة الذات، وإفساح المجال للنخب الجديدة، وتمكين الشباب، وتطوير أدوات العمل بما يتناسب مع متغيرات العصر، فالحفاظ على الدولة لا يعني تجميدها، بل تمكينها من التطور دون أن تفقد هويتها أو استقرارها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس النقد، بل فقدان الثقة، لأن الثقة هي الأساس الذي تستند إليه الشرعية المعنوية للمؤسسات، وهي الوقود الحقيقي الذي يمكن المجتمعات من تحمل التحديات والصعوبات، وعندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن المسؤول يخضع للمساءلة كما يخضع لها أي فرد في المجتمع، تتحول هيبة الدولة من شعار سياسي إلى حقيقة راسخة في الوعي الجمعي.
في النهاية، هيبة الدولة ليست جداراً يحمي الحكومات من النقد، ولا مظلة تحصن المسؤولين من المساءلة، هي منظومة متكاملة من العدالة والكفاءة والشفافية والثقة، وكلما نجحت الدولة في ترسيخ هذه القيم، ازدادت قوة واحتراماً، فالدول لا تُقاس هيبتها بقدرتها على إسكات الأصوات، بل بقدرتها على الاستماع إليها، وتصحيح أخطائها، والمضي بثقة نحو المستقبل.