منتدى حوار الثقافي: من يملك حق تعريف القيم؟
فيصل تايه
21-06-2026 08:48 AM
لم يكن اختيار "منتدى حوار الثقافي" لموضوع "تغيّر دلالات القيم وأثرها في السلوك الاجتماعي" في لقائه الإشهاري الأول في رحاب الجامعة الأردنية يوم أمس السبت مجرد اختيار لموضوع ثقافي راهن، بل كان اقتراباً واعياً من أحد أكثر الأسئلة تعقيداً وإلحاحاً في زمننا المعاصر: هل تتغير القيم في جوهرها وثوابتها، أم أن التحول الحقيقي يكمن في المعاني والدلالات التي نمنحها لها، وفي الجهات التي تمتلك القدرة على إعادة إنتاجها داخل وعي الإنسان والمجتمع؟
فالقيم ليست مجرد مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي تنتقل بين الأجيال بصورة آلية، وإنما هي منظومة عميقة من المعاني التي تمنح المجتمع قدرته على تفسير ذاته، وتنظيم علاقاته، وبناء تصوره عن الخير والعدل والمسؤولية والانتماء؛ ولذلك فإن أي تحول في منظومة القيم لا يعني فقط تغيراً في السلوك، بل قد يعني تغيراً في المرجعيات التي تمنح هذا السلوك مشروعيته ومعناه.
ومن هنا جاءت أهمية انطلاقة المنتدى بقيادة رئيسه معالي الدكتور فايز السعودي، باعتبارها محاولة جادة لإعادة الاعتبار للحوار بوصفه فعلاً معرفياً منتجاً، يتجاوز صيغ المنابر التقليدية إلى فضاء التفكير المسؤول؛ حيث اكتسب اللقاء دلالته العميقة من طبيعة الحضور النوعي الوازن الذي جمع نخبة من رجالات الدولة والمفكرين والأكاديميين والتربويين، في تظاهرة فكرية تولى الأستاذ الدكتور محمود مساد إدارتها برؤية أكاديمية واعية، وجّهت النقاش نحو جذور القضية بذكاء، كاشفةً أن القيم قضية سياسية واجتماعية وثقافية وتربوية تتشابك خيوطها بعمق.
إننا نعيش اليوم مرحلة تتسم بما وصفه المفكرون بـ"الحداثة السائلة"، حيث لم تعد المفاهيم الكبرى تتحرك داخل أطر ثابتة ومستقرة، بل أصبحت عرضة لإعادة التفسير المستمر بفعل التحولات التقنية والثقافية المتسارعة؛ فالثورة الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي لم تغيرا أدوات الحياة اليومية فقط، بل أعادتا تشكيل طريقة الإنسان في إنتاج المعنى، وفي الحكم على الأشياء، وفي تحديد ما يعتبره أولوية، حيث تضخمت "الفردانية" على حساب المصلحة الجمعية، وبات الفرد يتوهم أنه المرجعية الأولى والأخيرة في تحديد خياراته الأخلاقية.
وإذا كانت كل مرحلة تاريخية تنتج أدواتها الخاصة في تشكيل الوعي، فإن عصرنا الراهن نقل هذه الوظيفة بدرجة غير مسبوقة إلى الفضاء الرقمي؛ فلم تعد المعركة تدور حول امتلاك المعلومات فحسب، بل حول امتلاك القدرة على تفسيرها وتوجيهها وصناعة المعنى من خلالها.
غير أن المعضلة الأعمق تكمن في انتقال السلطة التي تنتج معنى هذه القيم؛ فقد كانت الأسرة والمدرسة والجامعة تمثل المرجعيات الأساسية في تشكيل الوعي، أما اليوم فقد دخلت فضاءات رقمية عابرة للحدود لتصبح شريكاً أساسياً في صياغة الاختيارات والتصورات، عبر هذا الجهاز الصغير (الموبايل) الذي استقر بين أيدينا، ومن خلال منصات التواصل الاجتماعي وفضاءات "المؤثرين" التي أمست نافذة الاتصال المباشر والمصدر الأول لتلقي كثير من التصورات والقيم والانطلاق نحو العالم.
وقد أنتج هذا التحول فجوة جيلية وقيمية حادة داخل البنية الاجتماعية الواحدة، ليرتفع أمامنا السؤال الأكثر خطورة: من يملك اليوم حق تعريف القيم؟ وهل ما زالت المجتمعات قادرة على إنتاج معانيها من داخل تجربتها التاريخية والثقافية، أم أصبحت مستهلكة لمعانٍ تصنعها قوى أخرى تمتلك أدوات التأثير والانتشار؟
إن الخطر هنا لا يكمن في الانفتاح على العالم، فالانفتاح شرط من شروط المعرفة والتقدم، وإنما يكمن في فقدان القدرة على التمييز بين الانفتاح الواعي والاستلاب، وبين التطور الذي يعيد بناء الإنسان، والتحول الذي يسلبه مرجعياته الداخلية.
ذلك أن معركة القيم لا تبقى حبيسة المجال الثقافي وحده، بل تمتد آثارها إلى المجال السياسي والاجتماعي، وتمس بصورة مباشرة طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والمسؤولية.
وهذا السؤال الجوهري يرتبط مباشرة بقدرة الدولة والمجتمع على بناء الثقة والانتماء في ظل التجاذبات الحادة. وفي هذا السياق، جاءت القراءة السياسية الوازنة التي قدمها دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، لتضع أزمة القيم في إطارها الأوسع المتعلق بالدولة والمواطنة الحقيقية؛ فالدولة الحديثة تحتاج إلى عقد معنوي يقوم على الثقة والمسؤولية والإحساس بالمصير المشترك، وعندما تضعف اللغة القيمية التي تمنح المؤسسات مشروعيتها وهيبتها، فإن الخطر يتجاوز السلوك الفردي ليصل إلى بنية المجتمع وتماسكه وجبهته الداخلية، مستعرضاً دولة الروابدة التغيرات الممتدة والمؤثرة التي شملت الحياة السياسية والاجتماعية بفعل تطور وسائل الاتصال.
وتتكامل هذه الرؤية مع المقاربة الاجتماعية التي قدمها معالي الدكتور صبري ربيحات، والتي أوضحت أن التحولات القيمية لا تحدث في الفراغ، بل ترتبط بتغيرات عميقة في أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية؛ ففهم السلوك الجديد لا يكون بإدانته السطحية، بل بقراءة الشروط البنيوية والاجتماعية والتحولات العميقة في العلاقات التي أنتجته، وبناء أدوات مجتمعية قادرة على التعامل معه وترشيده وتوجيهه إيجابياً.
كما أضاف الطرح الثقافي والمؤسسي الذي قدمه أمين عام وزارة الثقافة الدكتور نضال العياصرة بعداً مهماً، مؤكداً أن حماية المنجز الثقافي وتجديد الخطاب مسؤولية تشاركية وتكاملية بين الدولة والمجتمع والنخب الفكرية؛ فالثقافة الفاعلة لا تكتفي بحراسة الذاكرة، بل تسهم في صناعة الوعي القادر على مواجهة أسئلة الحاضر.
وهو التحدي الذي ربطه الدكتور ذوقان عبيدات بالوظيفة التربوية والتعليمية، مستعرضاً في إطلالة تاريخية تحولات حركة القيم وتعدد مصادرها، وداعياً إلى معالجة تبايناتها عبر إدماجها وتضمينها بشكل حقيقي في المناهج والمواد الدراسية، لبناء جيل يمتلك القدرة على الفهم والنقد والاختيار في عالم مفتوح بلا جدران.
وعند هذه النقطة تحديداً تتقاطع السياسة والثقافة والتربية في سؤال واحد: كيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على مرجعيته القيمية دون أن ينغلق على نفسه، وأن ينفتح على العالم دون أن يفقد قدرته على تعريف ذاته؟
إن الخلاصة التي يفرضها هذا الحوار أن أزمة القيم في جوهرها ليست أزمة غياب للقيم، بل أزمة تعدد المرجعيات التي تنتج معناها وتمنحها شرعيتها؛ ولعل أخطر ما يواجه العالم اليوم هو انتقال الصراع من مستوى المصالح التي يمكن التفاوض حولها، إلى مستوى المعاني الكبرى المرتبطة بالعدالة والحرية والمسؤولية والمصلحة العامة.
فعندما يصبح الخلاف حول المعاني المؤسسة للحياة المشتركة، يتحول الأمر إلى تشظٍّ قيمي يمس قدرة المجتمع على بناء توافقاته الضرورية، مما يرفع قضية الأخلاق لتصبح قضية أمن ثقافي واجتماعي واستراتيجي في مواجهة تحديات "التنميط والعولمة القيمية" التي تسعى لإلغاء الخصوصيات الحضارية.
وهو ما يتطلب امتلاك القدرة على إنتاج القيم وتقديمها بلغة العصر، من خلال محتوى فكري وثقافي أصيل يوازن بين الانفتاح والخصوصية، وبين الحداثة والجذور.
ومن هذه الزاوية تتجلى الأهمية البالغة لـ"منتدى حوار الثقافي" في انطلاقته الأولى؛ فقد اختار أن يبدأ من السؤال لا من الإجابة الجاهزة، ومن الحوار لا من اليقين المغلق أمام هذا الحشد النخبوي.
وهذه هي وظيفة الثقافة في أسمى صورها: أن تمنح المجتمع القدرة على قراءة ذاته، وإعادة تعريف أولوياته، وصناعة مستقبله؛ فالمعركة الحقيقية اليوم ليست بين القديم والجديد، ولا بين الانغلاق والانفتاح، بل بين مجتمع يمتلك القدرة على إنتاج معانيه، ومجتمع يستهلك معاني يصنعها الآخرون.
فالأمة التي تفقد قدرتها على تعريف ذاتها تفقد تدريجياً قدرتها على صناعة تاريخها، ولهذا يبقى الحوار الثقافي ضرورة وطنية وسيادية؛ لأنه ليس دفاعاً عن الماضي فقط، بل هو فعل مشاركة واعية في بناء المستقبل، وحماية للهوية الحية التي تتجدد دون أن تفقد جذورها الأصيلة.