facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الفساد بين النص القانوني والاتهام العشوائي


حسان سلطان المجالي
21-06-2026 03:05 PM

أصبح مصطلح "الفساد" من أكثر المصطلحات تداولاً في الشأن العام ، إلا أن كثرة استعماله لا تعني صحة استعماله ، فالدولة التي تحترم سيادة القانون لا تُعرّف الفساد وفق الانطباعات الشخصية أو الخصومات السياسية أو ما يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي ، وإنما وفق نصوص قانونية واضحة وإجراءات قضائية محددة تكفل الوصول إلى الحقيقة وتحفظ حقوق الأفراد والمؤسسات في آن واحد ...

لقد حدد المشرع الأردني في قانون النزاهة ومكافحة الفساد وقانون الجرائم الاقتصادية وقانون العقوبات الذي ينظّم العقوبة الأفعال التي تُعد جرائم فساد ، ومن أبرزها الرشوة ، والاختلاس ، واستثمار الوظيفة ، وإساءة استعمال السلطة ، والكسب غير المشروع ، والجرائم الاقتصادية ، واستغلال المعلومات الوظيفية لتحقيق منفعة خاصة ، وعدم الإفصاح عن تضارب المصالح ، والواسطة والمحسوبية التي يترتب عليها إهدار الحقوق أو منح امتيازات غير قانونية ، إضافة إلى الأفعال التي تؤدي إلى الاعتداء على المال العام أو هدره خلافاً لأحكام القانون ...

وفي المقابل ، فإن القانون لا يعتبر كل خطأ إداري أو قرار غير موفق أو مشروع خاسر أو تقدير مهني خاطئ جريمة فساد بالضرورة ، فالإدارة العامة تتخذ آلاف القرارات يومياً ، وقد يثبت لاحقاً أن بعضها لم يحقق النتائج المرجوة أو ألحق خسائر مالية ، إلا أن ذلك لا يكفي قانوناً لوصفه بالفساد ما لم تتوافر الأركان القانونية للجريمة وتثبت عناصرها بالأدلة والبينات وفق الأصول القضائية ...

ومن الأخطاء الشائعة الخلط بين وجود شبهة أو معلومة أو وثيقة وبين ثبوت الجريمة ، فالكشف عن وثيقة ، أو نشر معلومات ، أو إطلاق تصريحات إعلامية ، أو تداول اتهامات على المنصات الإلكترونية لا يشكل بحد ذاته دليلاً قانونياً قاطعاً على وقوع الفساد ، فهذه المعطيات قد تشكل سبباً للتحقيق أو التدقيق أو الإحالة إلى الجهات المختصة ، لكنها لا تنشئ حكماً بالإدانة ولا تحل محل القضاء ...

ولهذا فإن الأصل الدستوري والقانوني يقضي بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي قطعي ، فصفة "الفاسد" لا يملك أحد إطلاقها على أي شخص أو جهة لمجرد الاشتباه أو الاختلاف السياسي أو الخصومة الشخصية أو لحب الظهور والاستعراض ، لأن توصيف الفعل بأنه فساد هو مسألة قانونية وقضائية وليست إعلامية أو شعبوية ...

وفي الوقت ذاته ، فإن مكافحة الفساد ليست مسؤولية الدولة وحدها ، بل هي واجب وطني ومجتمعي ، ولذلك منح القانون كل شخص الحق في التبليغ عن أي شبهة فساد تتوافر لديه بشأنها معلومات أو وثائق أو بينات تستوجب التحقيق ، كما أقر المشرع حماية قانونية للمبلّغين والشهود والخبراء بما يضمن عدم تعرضهم لأي ضرر أو انتقام نتيجة قيامهم بهذا الواجب الوطني ...

إن الطريق الصحيح لمواجهة الفساد يبدأ بالتبليغ المسؤول المدعوم بالوقائع ، ويمر عبر المؤسسات الرقابية والتحقيقية والقضائية المختصة ، وينتهي بحكم قضائي عادل ، أما تحويل الاتهامات إلى مادة يومية تُطلق بلا دليل أو سند قانوني ، فإنه لا يحقق مكافحة الفساد بقدر ما يساهم في نشر الشك وفقدان الثقة بالمؤسسات والإضرار بسمعة الدولة واقتصادها وبيئتها الاستثمارية ...

إن الدفاع عن الوطن لا يكون بالتستر على الفساد إن وجد ، كما لا يكون بتوزيع الاتهامات جزافاً على الناس والمؤسسات ، فبين الصمت عن الجريمة وبين الاتهام العشوائي طريق واحد اسمه سيادة القانون ، وعلى هذا الطريق وحده تُحمى الأموال العامة ، وتُصان الحقوق ، وتُكشف الحقائق ، وتبقى سمعة الوطن محصنة بالعدل لا بالشائعات ، وبالأحكام القضائية لا بالأحكام المسبقة ....
هذا اختصار شديد لمبحث قانوني واسع ، أتمنى أن يحقق الغاية والفائدة من تقديمه .

والله المستعان.

* مستشار قانوني





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :