من البحر إلى قلب الأردن: الناقل الوطني للمياه ورؤية تأمين المستقبل
أ.د كامل محادين
20-06-2026 09:21 PM
في عالم تتزايد فيه تحديات الأمن المائي وتتسارع فيه آثار التغير المناخي والنمو السكاني، لم يعد تأمين مصادر المياه قضية خدمية فحسب، بل أصبح مسألة تتعلق بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يبرز مشروع الناقل الوطني للمياه في الأردن، المعروف رسميًا باسم مشروع تحلية ونقل مياه العقبة–عمّان، كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تعكس رؤية المملكة في حماية مواردها وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستدامة.
يمثل المشروع تحولًا نوعيًا في إدارة ملف المياه الأردني، إذ يقوم على تحلية مياه البحر من خليج العقبة ونقلها عبر منظومة متطورة من خطوط الأنابيب إلى مناطق الاحتياج الرئيسية، وفي مقدمتها العاصمة عمّان، بما يضمن توفير مصدر مائي مستدام يعزز قدرة الأردن على مواجهة واحدة من أصعب التحديات التي واجهتها المملكة عبر تاريخها الحديث.
وتقدر الكلفة الرأسمالية للمشروع بنحو 4.3 مليار دولار أمريكي، بينما يُتوقع أن تصل قيمته الإجمالية، بما في ذلك تكاليف التمويل، إلى حوالي 5.8 مليار دولار أمريكي. ورغم ضخامة هذا الاستثمار، فإن القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن فقط في أرقامه المالية، بل في كونه استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان والتنمية والاستقرار الوطني.
لقد أدرك الأردن أن المياه تمثل أساس الأمن والتنمية، وأن بناء مستقبل اقتصادي واجتماعي مستدام يتطلب حلولًا جذرية تتجاوز إدارة النقص إلى تأمين مصادر جديدة ومستدامة. ومن هنا جاء الاهتمام الحكومي المتواصل بهذا المشروع الوطني، حيث عملت مؤسسات الدولة على توفير البيئة التشريعية والفنية والتمويلية اللازمة للانتقال به من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ.
وفي هذا الإطار، برز الدور المحوري لحكومة دولة الدكتور جعفر حسان في الدفع بالمشروع نحو حيز التنفيذ، من خلال إعطاء أولوية عملية لملف الأمن المائي، وتسريع الإجراءات التنفيذية، وتعزيز التنسيق بين الجهات الوطنية والدولية، والعمل على استكمال متطلبات التمويل والشراكات اللازمة. وقد شكل هذا النهج خطوة مهمة في تحويل المشروع من رؤية استراتيجية طويلة الأمد إلى مشروع قابل للتحقق على أرض الواقع، بما يعكس التزام الحكومة بتحويل الخطط الوطنية إلى إنجازات ملموسة.
ويأتي هذا المشروع امتدادًا للرؤية الملكية السامية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي أكد مرارًا أن الأمن المائي يمثل أولوية وطنية وركيزة أساسية لحماية مستقبل الأردن. فالمشاريع الاستراتيجية الكبرى لا تُقاس فقط بحجمها، بل بقدرتها على الاستجابة لتحديات المستقبل وصناعة حلول تتجاوز الحاضر إلى الأجيال القادمة.
ومن المتوقع أن يوفر الناقل الوطني نحو 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنويًا، يتم إيصالها من خلال شبكة نقل حديثة تخدم المواطنين والمجتمعات والقطاعات الاقتصادية المختلفة. وهذا لا يعني فقط زيادة كميات المياه المتاحة، بل يمثل إعادة صياغة لمنظومة إدارة الموارد المائية بما يحقق كفاءة أعلى واستدامة أكبر.
إن أهمية المشروع تتجاوز الجانب الفني والهندسي؛ فالمياه اليوم هي أحد أعمدة الأمن القومي. فتوفرها يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالصحة العامة، والأمن الغذائي، والاستثمار، والنمو الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي. وبالنسبة للأردن، الذي يُعد من أكثر دول العالم شحًا بالمياه، فإن تأمين مصادر جديدة ومستدامة ليس خيارًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة والتحديات القادمة.
كما سيسهم المشروع في تخفيف الضغط على مصادر المياه التقليدية، بما فيها المياه الجوفية والسدود، والحفاظ عليها كمخزون استراتيجي للأردن. وفي الوقت ذاته، يمنح المملكة قدرة أكبر على مواجهة آثار التغير المناخي، وارتفاع الطلب على المياه، والتوسع السكاني المستمر.
إن الناقل الوطني للمياه هو أكثر من مشروع بنية تحتية؛ إنه مشروع سيادي يجسد قدرة الأردن على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى بناء حلول مبتكرة في واحدة من أكثر القضايا حساسية في العصر الحديث. فهو يجمع بين التخطيط الاستراتيجي، والتكنولوجيا، والإدارة الوطنية الفاعلة، ويؤكد أن الاستثمار في المياه هو استثمار في الأمن والاستقرار والمستقبل.
إن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تُقاس فقط بحجم التمويل أو كمية المياه التي سينتجها، بل بالأثر الوطني العميق الذي سيتركه في حماية الأردن وتعزيز قدرته على مواجهة المستقبل. فالاستثمار في المياه هو استثمار في الحياة، وفي الإنسان، وفي استدامة الوطن للأجيال القادمة.