أزمة المناصب والتصريحات .. هل تضيق دائرة القرار وتتسع دائرة القلق؟
لانا ارناؤوط
14-06-2026 12:32 AM
في الوقت الذي يقف فيه آلاف الشباب الأردنيين على أبواب الانتظار، حاملين شهاداتهم وخبراتهم وأحلامهم المؤجلة، تتوالى بين الحين والآخر أخبار تكليف مسؤول بمنصب جديد إلى جانب موقعه القائم وتأتي هذه القرارات في مرحلة تتصدر فيها البطالة أولويات الشارع الأردني، الأمر الذي يجعلها محط نقاش واسع وتساؤلات مشروعة حول فلسفة توزيع الفرص وإدارة الموارد البشرية في مؤسسات الدولة
ولا ترتبط القضية بالأشخاص بقدر ما تتعلق بالنهج الذي يحكم عملية الاختيار والتكليف فالأردن يمتلك طاقات وكفاءات وخبرات متراكمة في مختلف القطاعات، كما تمتلك الجامعات والمؤسسات المهنية رصيداً بشرياً قادراً على تحمل المسؤولية وصناعة الفارق وعندما تتكرر مشاهد الجمع بين المواقع، يتولد انطباع لدى كثيرين بأن دائرة الفرص تضيق في الوقت الذي يحتاج فيه الوطن إلى توسيعها.
ولعل أكثر ما يستفز مشاعر الباحثين عن العمل تلك العبارة التي تتكرر في بعض الأخبار الرسمية: "إضافة إلى وظيفته الأساسية" فبالنسبة للشاب الذي ينتظر فرصة واحدة منذ سنوات، تبدو هذه الكلمات أكبر من مجرد خبر إداري؛ لأنها تطرح سؤالاً مباشراً حول جدوى تركيز المسؤوليات في أيدي عدد محدود من الأشخاص، بينما تتزايد أعداد القادرين على العطاء والمشاركة.
ويوصف المشهد اليوم بأنه اختبار حقيقي لمفهوم العدالة الوظيفية وتكافؤ الفرص فالمجتمعات التي تسعى إلى تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة تعمل على توسيع قاعدة المشاركة، وتجديد النخب الإدارية، وإفساح المجال أمام الكفاءات الجديدة للوصول إلى مواقع التأثير فتنوع الخبرات داخل المؤسسات ينعكس حيوية في الأداء وثراء في الأفكار وقدرة أكبر على مواجهة التحديات.
وفي موازاة ذلك، يبرز ملف آخر يثير قدراً متزايداً من القلق، ويتمثل في حالة الارتباك التي تظهر أحياناً في بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين في مواقع مختلفة فالكلمة الرسمية لم تعد تمر مروراً عابراً، بل أصبحت تخضع للمتابعة والتحليل والتدقيق من قبل الرأي العام وحين تصدر تصريحات متناقضة أو غير مكتملة أو تفتقر إلى الوضوح، فإنها تفتح الباب أمام التأويلات والاجتهادات وتضاعف حالة القلق لدى المواطنين.
ومن هنا، فإن أزمة التصريحات لا تبدو منفصلة عن أزمة المناصب، بل تتقاطع معها في نقطة جوهرية تتمثل في إدارة الثقة العامة فالمواطن يحتاج إلى قرار مدروس، كما يحتاج إلى خطاب واضح يشرح ذلك القرار ويبرر أسبابه ويجيب عن الأسئلة التي يطرحها الناس أما الغموض أو التسرع أو الرسائل المتضاربة، فتؤدي إلى اتساع الفجوة بين المؤسسات والرأي العام مهما كانت النوايا حسنة.
إن القضية في جوهرها تتجاوز منصباً هنا أو تصريحاً هناك، لأنها ترتبط بالصورة العامة التي تتشكل في أذهان المواطنين حول كيفية إدارة الدولة لفرص العمل والمواقع القيادية والخطاب الرسمي فكلما اتسعت مساحة المشاركة، وتعززت الشفافية، وارتفعت جودة التواصل مع الناس، ازدادت مستويات الثقة والشعور بالشراكة الوطنية.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة جادة تعيد الاعتبار لمبدأ توزيع الفرص وتوسيع قاعدة المشاركة، وتدفع باتجاه خطاب رسمي أكثر اتزاناً ودقة ووضوحاً فالأردنيون لا يبحثون عن كثرة المناصب بقدر ما يتطلعون إلى عدالة الفرص، ولا ينتظرون وفرة التصريحات بقدر ما يترقبون وضوح الرؤية وعندما تجد الكفاءات طريقها إلى مواقع المسؤولية، وتستند القرارات إلى التخطيط المدروس، وتنسجم الأقوال مع الأفعال، تتعزز الثقة ويشعر المواطن بأن المستقبل يُبنى بمشاركة الجميع، لا داخل دائرة تضيق كلما اتسعت التحديات.