ديوان الرأي والتشريع .. تقييم الأثر الاقتصادي مهم أيضاً
د. رعد محمود التل
14-06-2026 12:44 AM
عند طرح أي مشروع قانون أو نظام جديد، يتركز الاهتمام عادة على مدى توافقه مع الدستور والقوانين النافذة، وسلامة صياغته التشريعية، وانسجامه مع المنظومة القانونية القائمة. وهذه اعتبارات أساسية لا غنى عنها، لأن جودة التشريع تبدأ من سلامته القانونية. وفي الأردن، تخضع التشريعات لمراجعة شاملة من قبل ديوان الرأي والتشريع تشمل الجوانب القانونية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية.
إلا أن السؤال الأهم يبقى: إلى أي مدى تستطيع دراسات تقييم الأثر الاقتصادي تقديم صورة دقيقة وواضحة لصانع القرار حول النتائج المتوقعة لأي تشريع أو سياسة عامة قبل إقرارها؟
فكم من قرار أو نظام أو تشريع صدر بهدف تحقيق المصلحة العامة، لكنه أفضى لاحقاً إلى آثار اقتصادية غير مقصودة، مثل ارتفاع كلف الإنتاج، أو تراجع الاستثمار، أو زيادة الأسعار، أو فرض أعباء إضافية على القطاع الخاص والخزينة العامة. وفي المقابل، نجحت تشريعات أخرى في تحقيق أهدافها الاقتصادية لأنها استندت منذ البداية إلى دراسات متخصصة وقدّرت آثارها المتوقعة بصورة دقيقة قبل إقرارها.
ومن المهم التمييز بين الأثر المالي والأثر الاقتصادي. فالأثر المالي يركز على الإيرادات والنفقات والتدفقات النقدية وانعكاساتها على المالية العامة، بينما يمتد الأثر الاقتصادي إلى نطاق أوسع يشمل تأثير القرار أو التشريع على النمو الاقتصادي، والتشغيل، والاستثمار، والإنتاجية، والصادرات، والتنافسية، ومستويات الدخل. ولذلك فإن التشريع الذي يحقق إيرادات إضافية للخزينة قد لا يكون بالضرورة ذا أثر اقتصادي إيجابي إذا ترتب عليه تراجع الاستثمار أو ارتفاع كلف ممارسة الأعمال.
لهذا السبب، أصبحت دراسات تقييم الأثر جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار في العديد من الدول المتقدمة. فالحكومات لم تعد تكتفي بالسؤال عما إذا كان التشريع سليماً من الناحية القانونية، بل أصبحت تسأل أيضاً عن كلفته الاقتصادية، والفئات التي ستتحمل هذه الكلفة، والمنافع المتوقعة منه، وما إذا كانت هناك بدائل أكثر كفاءة وأقل تكلفة لتحقيق الأهداف ذاتها.
وفي المملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والعديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أصبحت دراسات تقييم الأثر جزءاً مؤسسياً من دورة إعداد السياسات والتشريعات. ويعود ذلك إلى قناعة راسخة بأن التشريعات ليست مجرد نصوص قانونية، بل أدوات اقتصادية تؤثر في سلوك الأفراد والشركات والأسواق، وبالتالي فإن تقييم آثارها الاقتصادية لا يقل أهمية عن تقييم سلامتها القانونية.
وفي هذا السياق، خطا الأردن خطوة مهمة بإقرار نظام تقييم الأثر للتشريعات والسياسات لسنة 2025، وإنشاء وحدة متخصصة لتقييم الأثر، بهدف تعزيز جودة التشريعات والسياسات العامة ورفع كفاءة عملية صنع القرار. وتمثل هذه الخطوة نقلة نوعية في منهجية إعداد التشريعات، لأنها تؤسس لثقافة قائمة على التحليل المسبق للآثار المتوقعة بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل بعد التطبيق.
غير أن نجاح هذا النظام لا يقاس بوجوده التشريعي أو المؤسسي فحسب، بل بمدى كفاءة تطبيقه على أرض الواقع. فالتحدي الحقيقي يكمن في جودة الدراسات التي سيتم إعدادها، وفي قدرة الجهات الحكومية على توفير البيانات اللازمة، واستخدام أدوات التحليل الاقتصادي المناسبة، والاستعانة بالخبرات المتخصصة القادرة على تقدير الكلف والمنافع والآثار المباشرة وغير المباشرة للتشريعات والسياسات المقترحة.
كما أن نجاح عملية تقييم الأثر يتطلب وجود تكامل فعّال بين الجهات الحكومية ووحدة تقييم الأثر وديوان الرأي والتشريع، بحيث تصبح نتائج الدراسات الاقتصادية جزءاً أساسياً من عملية مراجعة التشريعات وصياغتها. فكما يعتمد المشرّع على الرأي القانوني لضمان سلامة النصوص التشريعية، يجب أن يعتمد أيضاً على تقييم اقتصادي متخصص يوضح الآثار المتوقعة للتشريع على الاستثمار والتشغيل والإنتاجية والتنافسية والأسعار والإيرادات العامة.
إن الفائدة من هذا النهج لا تقتصر على تحسين جودة التشريعات فقط، بل تمتد إلى الحد من التعديلات المتكررة على القوانين والأنظمة، وتقليل الآثار غير المقصودة للقرارات الحكومية، وتعزيز الثقة لدى المستثمرين المحليين والأجانب. فالمستثمر يبحث عن بيئة تشريعية مستقرة وقابلة للتنبؤ، والتشريعات المبنية على دراسات أثر دقيقة تكون أكثر استقراراً وقدرة على تحقيق أهدافها.
كما أن تعزيز دور تقييم الأثر الاقتصادي يسهم في ترسيخ ثقافة صنع القرار المبني على الأدلة والبيانات، بدلاً من الاعتماد على التقديرات أو الاجتهادات غير المدعومة بالتحليل العلمي. فالاقتصاد الحديث يتطلب تقدير الآثار المحتملة للقرارات قبل اتخاذها، وقياس كلفها ومنافعها ومخاطرها بصورة منهجية.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن جودة التشريع لا تقاس فقط بسلامة النص القانوني، وإنما أيضاً بقدرته على تحقيق أفضل النتائج الاقتصادية والاجتماعية بأقل كلفة ممكنة. فالقرار الكفؤ ليس فقط ما يمكن تطبيقه قانونياً، بل ما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع. والتشريع الناجح ليس مجرد نص مكتوب بإتقان، بل أداة فعالة تدعم النمو والاستثمار وتعزز التنافسية وتحسن حياة المواطنين.
ومن هنا، فإن التحدي في المرحلة المقبلة لا يتمثل في إقرار المزيد من التشريعات فحسب، بل في ضمان أن تكون هذه التشريعات مدعومة بتقييمات أثر اقتصادية دقيقة وموضوعية وقابلة للقياس، بما يعزز كفاءة السياسات العامة ويسهم في تحقيق أهداف التنمية والتحديث الاقتصادي.
الرأي