إن صدقت التوقعات التي صدرت من الوسطاء وتلك الصادرة من واشنطن وطهران فإن الأحد سيكون يوما فاصلا في نهاية الصراع المشتعل في المنطقة بين جبهتين، الأولى أمريكية إسرائيلية، والثانية إيران وأذرعها.
الاتفاق إذا تم ستدخل المنطقة مرحلة استرخاء ولو مؤقتة على أساس أن التفاوض على الملفات الساخنة سيبدأ فور توقيع الأطراف، وأن المدة المقررة لهم للوصول إلى اتفاقية نهائية خلال ستين يوما وستخرج منطقتنا من حالة الشد والتأزيم التي استمرت منذ أكثر من عام إذا فصلنا مسار الحرب الإيرانية الأمريكية عن مسار حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.
الطرفان لا شك أنهما وجدا بعد كل جولات الحوار بالنار أنه لا مجال إلا إلى الجلوس على طاولة المفاوضات واللقاء عند منتصف الطريق كحد أدنى، فإيران أصبحت لزاما عليها تقديم تنازلات وتخفيض سقف "العنتريات" الإعلامية للتخفيف من الثقل الواقع عليها دوليا الذي يدفع ثمنه الشعب الإيراني اقتصاديا بكل مناحي الحياة، ولإنقاذ ما تبقى من النظام، وضرورة خروج البلاد من الحصار المضروب عليها منذ ما يقارب نصف عام أنهكها..
وحسب تحليلات المراقبين أن المفاوضات هذه المرة شهدت اختراقا على مستوى الملف النووي الإيراني الذي كلف الشعب هناك مآس كثيرة من الأموال والدماء، وإن صدقت التسريبات فإن إيران فكفكت إلى حد ما موقفها من هذا الملف وقدمت نوعا من التراجع عن موقفها السابق، لأن قيادات كثيرة داخل النظام وقطاعات كبيرة من الشعب الإيراني يدركون تماما أنه لا يمكن لإيران أن تمتلك سلاحا نوويا في هذه الظروف الدولية الراهنة، وأن العالم فيه قطب واحد يقرر ما يشاء، وقد قرر أن لا سلاح نوويا في إيران ولو كلفه ذلك حروبا متعددة.
أما على المقطع الأمريكي فالإدارة في البيت الأبيض باتت تسعى بجدية في الآونة الأخيرة للخروج من الأزمات التي أوجدتها الحرب على إيران في الداخل الأمريكي، والضغوطات الدولية التي مورست على واشنطن لإنهاء قضية مضيق هرمز الذي تسبب إغلاقه بإرباك كبير للاقتصاد على مستوى العالم.
المراقب لما يجري في هذه الساعات يقرأ أن الجميع يتسابق نحو إنجاز اتفاق أو مذكرة تفاهم كما يطلق عليها البعض خصوصا الوسطاء الذين يعتبرونه انجازا كبيرا لهم على الساحة الدولية.. وانهم لعبوا دورا بارزا في فكفكة أخطر أزمة واجهت العالم منذ حرب حرب العراق..
يبقى الطرف الثالث في الصراع نتنياهو الذي استطاع جر الولايات المتحدة إلى الحرب لتحقيق أهدافه في إيران والتي فشل في تحقيقها، فقد كانت خارطة طريقه لها إسقاط النظام وتدمير القدرات العسكرية والاقتصادية للبلاد وخلق حالة فوضى تؤدي على المدى البعيد إلى تقسيم الدولة، لكن الأمريكيين كان لهم رأي آخر حتى ولو قادوا الحرب فقد كان عنوان تحركهم إصلاح النظام من الداخل، والقيادات الأمريكية صرحت بذلك مرات عديدة وأشارت إلى أن مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة ألا تتحول إيران إلى دولة فاشلة مصدرة للإرهاب تؤذي مصالحها وتعرض أمن حلفائها إلى الخطر، وتهدد أمن الممرات المائية التي تعتبر عصب مهم في الاقتصاد العالمي إضافة إلى عين ترامب المفتوحة على الثروات الإيرانية نتنياهو لا يمل.. فهو حتى هذه الساعات لم يظهر موقفه النهائي، وهل سينزل عند رغبة البيت الأبيض بأن يغلق ملف لبنان الذي تقول ايران أنه موجود في مذكرة الاتفاق كمفصل مهم، وأن قيادتها لن توقع حتى يضمن الأمريكيون ذلك، وهذا المفصل ربما ينسف الاتفاق حتى بعد توقيعه، لأن إيران لن تغامر أن تكون كمن تخلى عن أقرب حلفائه وطعنه بالظهر، مع الإشارة أن هذا ممكن أن يقع بناء على السياسة الإيرانية تقوم على البراجماتية.
القضية أن نتنياهو سيواجه الإسرائيليين في صناديق الاقتراع، وهم يعتبرون أنه لم يقدم لهم شيئا سواء على مستوى الحرب على غزة أو على لبنان إيران، وأن كل وعوده عن تحقيق الأمن لهم لم تأت بنتيجة، لهذا من المرجح أن يستمر نتنياهو بحربه على لبنان واستفزاز حزب الله للعودة للحرب.
إيران إن صدقت بموقفها إلى جانب حزب الله ستضمن عدم انجرار الحزب إلى حرب جديدة مع إسرائيل لأنها صاحبة القرار، لكن إذا لم تلتزم الأخيرة فإن الحبر لن يساوي قيمة الورق الذي كتب عليه الاتفاق.
ربما إذا اتفقت الأطراف على حل وسط لموضوع لبنان وموافقة إيران على تعليق سلاح الحزب، وانسحابه إلى ما بعد الخطوط الأمامية يجد نتياهو تبريرا مقنعا للناخبين في اسرائيل!!
وبالعودة إلى البنود المسربة من مسودة مشروع الاتفاق يتبين بالفعل أن واشنطن وطهران عملا على اللقاء في منتصف الطريق وإفساح المجال لكل منهما أن يظهر بمظهر المنتصر، فمضيق هرمز لم تسمح إيران حسب الاتفاق لأمريكا بالسيطرة عليه وفرض شروطها، والأخيرة لم تسمح لإيران أيضا بالسيطرة على المضيق عسكريا وماليا وهذا كما أشرت يفسح المجال لكل منهما أن يعلن انتصاره، أما في الملف النووي فالتسريبات تفيد أن إيران وافقت على تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى المستوى السلمي مع الإشارة أن مصير المخصب منه بدرجات عالية لا زال مجهولا مع الإشارة أن ترامب صرح بذلك أكثر من مرة وأنه من المحتمل أن يتم التعاون بين الطرفين ووكالة الطاقة الدولية، وهذا الحل أيضا يعطي كل طرف حرية إعلان الانتصار.
الرئيس الامريكي دونالد ترامب يصر على توقيع الاتفاق الأحد وهو تاريخ عيد ميلاده لأنه يريد لكل حدث مهم في الولايات المتحدة أن يكون مرتبطا به، فالرجل شديد الحب لنفسه وهذه سياسته وهو لا يخفي ذلك، وإيران من باب المناكفة تقول أنها لن تعطيه هذه الفرصة.
فهل يصر ترامب على موقفه أمام العناد الإيراني ويتعرض مشروع الاتفاق إلى الخطر ونعود إلى المربع الأول، سؤال ستجيب عليه الساعات القادمة.