facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأبناء رهائن الخلافات عندما تتحول الحضانة من حق للحماية إلى أداة للانتقام بقلم


د. محمود أبو رمان
20-06-2026 10:09 PM

شُرعت الأسرة لتكون موطناً للسكن والمودة والرحمة، وجعل الله الزواج ميثاقاً غليظاً يحقق الاستقرار للأزواج والأبناء والمجتمع. غير أن ما نشهده اليوم في كثير من النزاعات الأسرية يستوجب وقفةً جادة؛ إذ لم تعد الخلافات الزوجية تقف عند حدود الانفصال، بل امتدت آثارها لتطال الأطفال، وتتحول الحضانة والرؤية والنفقة إلى أدوات ضغط وانتقام، فيكون الأبناء ضحيتها الأولى والأخيرة.

الخطر الحقيقي في هذه النزاعات أنها تُقحم الطفل في معركة ليس طرفاً فيها. فالطفل الذي ينشأ بين صراعات المحاكم والاتهامات المتبادلة لا يخسر استقراره النفسي فحسب، بل يحمل آثار تلك الصراعات إلى مراحل متقدمة من حياته، تنعكس على شخصيته وعلاقاته ومستقبله.

في المجتمع الأردني، الذي تقوم منظومة قيمه على التكافل وصلة الرحم واحترام الأسرة، باتت هذه الظاهرة تحدياً حقيقياً. فقد حافظت الأعراف الأردنية تاريخياً على مكانة الأبوين معاً في حياة الأبناء، لكن تعقيدات الحياة المعاصرة وتصاعد حدة النزاعات أفرزا صوراً جديدة تحتاج إلى أدوات أكثر فاعلية في المعالجة.

هنا يبرز دور المحاكم الشرعية الأردنية، التي لم تُنشأ ساحاتٍ للخصومة، بل مؤسساتٍ للعدالة والإصلاح وحماية الأسرة. بيد أن حجم التحديات الراهنة يستدعي تطوير آليات التدخل المبكر، وتعزيز مسارات الصلح والإرشاد الأسري والوساطة قبل أن تبلغ الخلافات مرحلة يصعب فيها العلاج.

غير أن المعالجة القانونية وحدها لا تكفي. فالحضانة ليست حكماً قضائياً يصدر وينتهي أثره، بل علاقة إنسانية ممتدة تحتاج إلى إدارة مستمرة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة أكثر مرونة تنظّم المشاهدة والتواصل بما يضمن حق الطفل في التواصل مع والديه، ويصون حق الأب والأم دون إقصاء أو تعطيل. فنجاح الأحكام لا يُقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بمدى تحقيقها الاستقرار الفعلي للأسرة وحسن تنفيذها على أرض الواقع.

معالجة هذه الظاهرة تتجاوز الخصومات القانونية إلى مراجعات جذرية تشترك فيها مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والجامعات ورجال الدين والإعلام. نحن بحاجة إلى ثقافة تجعل مصلحة الطفل مقدَّمة على الغضب والانتقام، وتؤكد أن انتهاء الزواج لا يُنهي المسؤولية المشتركة تجاه الأبناء. وهذا يستلزم برامج إرشاد أسري قبل الزواج وبعد النزاع، وتفعيل مراكز الوساطة المتخصصة، وبناء شراكة حقيقية بين القضاء والمؤسسات الاجتماعية والنفسية لمعالجة أسباب النزاع لا نتائجه.

أخطر ما يواجه الأسرة اليوم ليس الطلاق في حد ذاته، فالفراق قد يكون حلاً لمشكلة تعذّر استمرارها. الخطر الحقيقي يكمن في استمرار الصراع بعد الطلاق وتحوّل الأبناء إلى وقود لمعركة لا تنتهي. حين تصبح الحضانة والرؤية والتواصل أدواتٍ للمكايدة، يفقد القانون غايته الإصلاحية، وتفقد الأسرة رسالتها التربوية، ويصبح الطفل الضحية الصامتة التي تدفع ثمن أخطاء الكبار.

المراجعة المطلوبة لا تقتصر على النصوص القانونية، بل تمتد إلى بناء منظومة متكاملة لإدارة النزاع الأسري واستدامة الحلول، تضمن حق الطفل في التواصل الآمن مع والديه، وتحفظ للأبوين حقهما في المشاركة في صناعة مستقبل أبنائهم.

في الأردن، حيث تقوم الدولة على العدالة وسيادة القانون، باتت الحاجة ملحّة للانتقال من إدارة الخصومة إلى إدارة العلاقة الأسرية بعد الانفصال، ومن ثقافة كسب القضية إلى ثقافة كسب الإنسان، ومن الانتصار لطرف إلى الانتصار للطفل والمجتمع.

الأسرة ليست ملفاً قضائياً، والحضانة ليست معركة نفوذ، والأبناء ليسوا أوراق ضغط. وحين ندرك أن حماية الطفل أهم من الانتصار على الطرف الآخر، نكون قد انتصرنا للأسرة الأردنية، وحفظنا للأجيال القادمة حقها في أن تنشأ في بيئة يسودها الاحترام والرحمة والعدل، حتى وإن افترق الآباء والأمهات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :